بالعام الماضي وبشهر محرم الحرام وبموسم عاشوراء بالتحديد، صادف أن كتبت عدة مقالات تحمل عنوان "بث الحسين" وتوقفت فيها عند اليوم التاسع ولم أستطع الإكمال أقلًا للعاشر الذي توقف فيه القلم عن الكتابة ونقل البث حينها.
هذا التوقف العاجز ظل معي لعام كامل كوصمة عار وخذلان لقلمي الذي لم ينل حصة وافية لتوفيقه، وفي هذا العام أيضًا مسكته لعله يتم ما بدأه بالعام الماضي ولكن العجز كان مستمرًا حتى لو كانت الأفكار موجودة لكن المداد أصابه الجفاف.
لكن اليوم ومع أصداء الختام والذي لم ينتهِ واقعًا، لكن هناك مِداد مختلف أظنه يستمد شعاعه من أمي فاطمة (ع) ويأبى تذوق حسرة الخذلان بنهاية موسم قد خُتم بوسم الحسرة على الكثير.
ومع العلم أني ما زلت عاجزة عن وصف بث الحسين بحلقة الختام التي يسقط من هول مصابها الكثير والصدى يردد: وقليل تُتلف الأرواح في رزء الحسين لأن هناك صدى آخر كان طاغيًا على كل شيء وهو يصدح: يسكت العالم بأسره ونستمع صوت الحسين.
ولكني سأكون واصفة لما خلف كواليس البث هذا إذا ملكت ما يكفي من صياغة لأحرف لا يمل منها قارئي.
بالطبع كان موضوع البث المباشر بالسابق ينتفع منه المغتربون الذين يحنّون لصوت الحسين بالقطيف فكان البث خدمة تخدم شريحة من المجتمع الذين لا يستطيعون المجيء والحضور لبُعدهم عن الديار، ولكن مع وضع الجائحة بهذا العام بات البث المباشر حلًا بديلًا لكثير من المآتم والذي دخل كل بيت ومع كل هاتف.
لكن منذ فتحت المآتم أبوابها مع الاحترازات، كان البث خيارًا ضعيفًا بالنسبة لي، لأني لا أحبه وحتى أتخطر أن إحدى صديقاتي استشعرت عدم رغبتي بحضورها حين أجبتها بانفعال: أنا لا أريد بثوث.
لكن جاء الامتحان هذا العام لنمتحن فيما نحب ونرضى بما لا نحب، ففي اليوم السابع من محرم أجريت فيه مسحة للتأكد إن كنت سليمة من الفيروس، حيث كنت حينها أعاني من الزكام ورجحت بسببه ذهاب حاسة الشم لدي لتأتي النتيجة صادمة والتي كانت بمثابة نتيجة الرسوب، فكنت أدعو نفسي راسبة لأني كنت فيها مصابة ولكن بوصف نتيجة إيجابية، والتي شككت في صحتها لأني أجريتها بالصباح وأتتني بالمساء، كنت أريد التعلق بقشة لإعادة إجرائها لأني كنت بدون أعراض، فلعل تغيرها أستطيع بعدها الحضور وإدراك أهم الأيام في عاشوراء ولكن توقفت ورضيت بمصيبتي على مضض.
وكان البث هو الصديق الذي لم أعرفه لأحبه، لكنه عرفني على خطباء جدد لم أسمع لهم من قبل خارج نطاق القطيف، فلولا البث كنت سأجد الفراغ الذي يملأ غرفة الحجر همًا وكدرّا وسيكون طول الوقت قاتلًا، لكني كنت بالحجر ليس لدي وقت لأبسط الأمور التي كنت أعملها سابقًا.
أنا لا أنكر شعور الحسرة الذي رافقني والذي ذكرت لكم أنها سنة الحسرة التي طالت الكثير من الخدام والمستمعين والخطباء، فكم منظر أشجى قلوبنا من بداية المحرم لمن أغلقت في وجوههم الأبواب من النساء والرجال فضلًا عن الأطفال؟
كم خادم تخلى عن خدمته هذا العام أو شيء منها؟
كم مستمع ومستمعة تعودوا أن يستمعوا بعدد من المجالس وهذا العام ظلوا حبيسي الدار حفاظًا على سلامتهم وسلامة من يحبون؟
كم مجلس اكتفى بخدامه وحتى لو كان هذا تشريفًا لهم، ولكن لا أظن هناك خادم سيهنأ له المجلس إذا لم يخدم فيه المعزون لمولاه.
ما زلت أستشعر مدى تألم بعض أصحاب الحسينيات الذين بودهم إدخال الجميع ولكن تطبيق الاحترازات والعدد المحدد كان حبلًا خانقًا يجعل كلماتهم التي ينطقونها للتأكيد على العدد والاعتذار ممن لم يستطع الدخول تكون مخنوقة وذات سنحة خجولة من مولاها الحسين (ع) وسيدتهم فاطمة (ع).
الجائحة جعلت الحسرة تطال الجميع لكنها صنعت بالمقابل الكثير، جعلت الناس تلتزم بالحضور من البداية، فرقت بين المتحدثين والثرثارين أثناء القراءة، بينت أهمية القارئ والمستمع والمأتم ككل، أرتنا صورًا من النظام الذي يفترض أن ينضبط عليه الجميع، جعلت الكثير يتعرض للسماء ليكون مجلسه سماويًا ترتفع الأكف فيه لتعانق بركات السماء بعد هطول أمطار الدموع تحت سقفها، إضافة لزيادة أعداد البيوت والمآتم التي فُتحت لظرف هذا العام ودخلت بركة الزهراء (ع) فيها، إلى غير ذلك من الفوائد.
نحن ننظر دومًا للجزء الفارغ وننسى روعة الجزء المملوء، وننسى أن تعويض الله مُرضٍ، فلو دققنا كل حواسنا بالفوائد مقابل الخسائر فحتمًا الفوائد سترجح كفتها.
هنا أنا أتوقف لأدع حواسكم تستشعر وتتذكر رؤية بث كربلاء يوم العاشر من المحرم، والذي كان بلسمًا لكل حسرات القلوب التي كانت خائفة أن يتوقف عرض فصل من فصول عزاء ذكرى عاشوراء في كربلاء فكانت ركضة طويريج ركضة أخدت معها كل القلوب وأثلجتها حين لم تكن هناك إصابات وسط الجموع الغفيرة المتزاحمة، لنستعد بعدها للركض لدخول كواليس ما يأتي بعد عاشوراء.



