لم أجد مظلومية تاريخية تعرّض لها أحد من الأئمة أهل البيت (ع)، مثلما تعرض إمامنا الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام. ذلك حسب قراءتي التاريخية المتواضعة عن سيرة أئمة الهدى والعترة الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين. بالرغم من أنه السبط الأول لرسول الله المصطفى (ص) والإمام الثاني بعد أبيه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليهم السلام، حسب ما ورد عن رسول الله محمد (ص) حيث قال: لا يزال أمر هذه الأمة ظاهرا حتى يقوم اثنا عشر كلهم من قريش.
وقد وردت أحاديث كثيرة ومتواترة عن الأئمة الاطهار عن رسول الله محمد (ص) في مصادر الطائفتين الكريمتين الشيعية والسنية، وأنا لست في صدد مناقشة الروايات الثابتة والدالة على صحة هذه الأحاديث الشريفة المروية عن نبي الرحمة المصطفى محمد (ص)، ولا عن مصدرها ومتنها والثقات من الرواة لها، إلا إن ما يهمنا هنا هو تأكيد تلك المرويات أن الثاني من أئمة الهدى بعد النبي هو الإمام السبط الحسن الزكي عليه السلام.
إن كل دارس للتاريخ والشخصيات التاريخية والدينية المؤثرة، والتي تركت آثارًا وبصمات لا تزال فاعلة ومؤثرة إلى وقتنا الحالي، لا يمكن أن يتجاوز شخصية مثل الإمام الحسن المجتبى (ع)، القائل فيه وفي أخيه الإمام الحسين عليهما السلام جدهما رسول الله (ص): الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا. وهذا تصريح واضح البيان من لسان عربي مبين، من جدهم رسول الله (ص) بأن ابنيه الإمامين الحسنين (ع) لا يصدر منهما شيء إلا وفيه رضا الله سبحانه وتعالى، وفي أي زمان ومكان، فهما سيدان ومسددان من قبل رب العباد، أي لا يأتيهم الباطل لا من فوقهما ولا من تحتهما، لأن القائل عنهما لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وغيرها من الأقوال الكثيرة عن رسول الله (ص) التي تبين عظمة وجلالة وقدر الإمام الحسن والحسين عليهما السلام عند الله تعالى وعند حبيبه المصطفى.
إذن شخصية كشخصية الإمام الحسن (ع)، جده رسول الله وخاتم الأنبياء والمرسلين وأبوه وصي رسول الله وأمير المؤمنين وأمه بنت رسول الله فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، لا يمكن إلا أن تترك لدى الباحث في التاريخ والدارس له الكثير من علامات الاستفهام عن أسباب المظلومية التاريخية والحالية لهذا الإمام العظيم واستمرارها، وما واجهه مع مجتمعه، خاصة بعد شهادة أبيه أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام، حيث تسلم منصب الإمامة بعد مبايعة الناس له، واستلم بعدها تركة ثقيلة، دينيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، فكانت أول خطوة اتخذها الإمام الحسن أن أوقف كل صلاحيات معاوية بن أبي سفيان، وبعد هذا القرار بدأت فورًا بينهما الخلافات وكاد أن تنشب حرب بين الطرفين، فأنقذ الوضع وأخمد تلك الحرب الشرسة والعدوانية التي كادت تأكل الأخضر واليابس وتحطم المجتمع الإسلامي عن بكرة أبيه، والذي أصبح في ذلك الوقت مجتمعًا هشًا فكرًا ودينًا. تلك كانت حكمة الإمام الحسن عليه السلام، بعد فرض المصالحة عليه، والتي استطاع من خلالها كشف الآخر والمعارض له أمام الرأي العام، بواسطة ما سميت معاهدة بنود المصالحة، التي تضمنت حق الله وحق العباد وحق مستقبل المسلمين حتى قيام الساعة.
وبهذا يتبين أن حياة الإمام الحسن عليه السلام بعد تسلمه زمام الإمامة الشرعية على المسلمين، تزامنت مع المواجهة الشرسة مع ذلك المجتمع الصعب الذي شغلته الحروب وألبسته روح اليأس وحب الدنيا والتكالب عليها. وقد واجه سلام الله عليه تيارات إسلامية متنوعة ومختلفة ومعقدة ومتناقضة، وسوف أقوم بعرض مبسط لذلك المجتمع المعقد الذي تعامل الإمام الحسن معه بحذر في ظل الصعوبات والتحديات:
أولًا: مواجهة فئة الخوارج، وهم الخارجون على طاعة الإمام علي عليه السلام، وهذه فئة صعبة ومتطرفة فكريًا ودينيًا.
ثانيًا: الفئة الممالئة للحكم الأموي وهي على قسمين، الأولى هم الذين لم يجدوا في حكومة الكوفة ما يشبع نهمهم ويروي ظمأهم حيال ما يحلمون به من مطامع دنيوية فكان ولاؤهم للشام. والثانية هم الذين حقدوا على حكومة الكوفة لضغائن في نفوسهم أورثتها العهود السالفة.
ثالثًا: الفئة المتأرجحة التي ليس لها مسلك ثابت، أو مهمة خاصة مستقلة، وإنما هدفها ضمان السلامة وتحقيق بعض المطامع عند الجهة التي تحقق النصر.
رابعًا: الفئة الغوغائية، وهي الفئة التي لا تستند في موقفها إلى أساس، بل هم أتباع كل ناعق، ويميلون مع ربح الكاسب والمنافع.
خامسًا: الفئة المؤمنة المخلصة، وهي القلة الخيرة التي يضيع صوتها في زحام الأصوات الأخرى.
هذه تقريبًا الخارطة الاجتماعية المعقدة والمتناقضة والصعبة التي واجهها إمامنا الإمام الحسن عليه السلام، والتي شكلت له صدامات وعداوات لها أول وليس لها آخر، واستمرت إلى يومنا هذا، حيث كانت مدروسة ومخططًا لها جيدًا من قبل ضعفاء النفوس الذين ملأ قلوبهم حب الدنيا، وجزء منهم بغضا لأبيه ولأهل البيت بشكل عام ولممثل خط الله سبحانه وتعالى.
وبعد سقوط الدولة الأموية أتى ظلم العباسيين، الذين تم من خلالهم خداع الرأي العام بزعم حبهم وولائهم لأهل بيت رسول الله (ص) ومطالبتهم بالثأر لهم من الأمويين، تلك الخديعة التي أثمرت سقوط الدولة الأموية تحت شعارهم الكاذب (الرضا من آل محمد)، وبعد أن تمسكنوا وتمكنوا، بدأت حربهم الإعلامية والعدوانية الشرسة ضد أهل البيت وأتباعهم، ووجهوا جل غضبهم على سيرة الإمام الحسن عليه السلام خاصة، حيث كان الضخ الإعلامي ضد الإمام الحسن عليه السلام بأضعاف ما فعلوه تجاه بني أمية، وذلك على خلفية قيام غالب الثورات ضد العهد العباسي بقيادة أبناء الإمام الحسن عليه السلام، الأمر الذي دفع المنصور الدوانيقي إلى المجاهرة ببغضه لأهل البيت وخاصة الإمام الحسن (ع)، وكان ذلك ظاهرًا من خلال تزييف الحقائق والتاريخ، واعتقال وتعذيب وقتل وتشريد وملاحقة ما أمكنه من أهل البيت وأتباعهم في كل وادٍ.
لم تكن سهلة رحلة الإمام الحسن عليه السلام منذ تسلمه منصب الإمامة بعد شهادة أبيه من عام 41 هجري، علمًا بأنه يعتبر مهندس ثورة أخيه الإمام الحسين عليه السلام، وهذا بحد ذاته يحتاج إلى تفرغ من قبل الإمام الحسن (ع) لأجل صناعة أرضية الإعداد للثورة على كل الاتجاهات وقد أتمّها بدقة.
إن منشأ ثقافة الثورة الحسينية الخالدة منبثقة من فكر الإمام الحسن عليه السلام، ولأجل ازدياد المعرفة حول هذا الموضوع، أحيل القارئ الكريم لقراءة كتاب مفصل اسمه (ثورة الإمام الحسن عليه السلام) للإمام المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي أعلى الله مقامه الشريف، يعرض من خلاله دراسة حول كيفية الإعداد لثورة كربلاء المقدسة والخالدة، الذي قام بتنفيذها وأبطالها الخالدون الإمام الحسين عليه السلام وأخته السيدة زينب عليها السلام والإمام زين العابدين (ع).
يقترح سماحة المرجع الشيرازي ونحن كذلك، على الدارسين والباحثين للتاريخ، قراءة الإمام الحسن عليه السلام، بعيون معاصرة ليجدوا مدى بصيرة الإمام النافذة، التي تثبت أنه إمام إن قام أو قعد إلى يوم الدين.



