التغذية هي أحد دعائم الحياة، فبدونها لا يقوى الإنسان على القيام بالأعمال والنشاطات المتعددة. فالغذاء هو الوقود الذي يمد الإنسان بالطاقة والنمو، حيث يتحول عندها الغذاء من مادة بناء إلى مادة صيانة، ترمم ما يتلف من خلايا، وتعوض ما يفقد من عناصر غذائية، مساهمة بذلك في استمرار نشاط الإنسان عبر سنوات حياته المرتقبة .
والغذاء الطيب هو سر من أسرار العافية ودوام الصحة وسعادة الحياة، وهو دواء طبيعي يمثل حماية وقائية من أمراض العصر المختلفة .
وفي القرآن الكريم اقترن العسل بالشفاء، من قول الخالق العليم : {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} سورة النحل الآية :(69).
والتمر هو غني جداً بقيمته الغذائية، وهو طعام مريم عليها السلام، قال تعالى: { وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا" جنيا"(25) فكلي واشربي وقري عينا"} سورة مريم.
وكان بالنسبة لها غذاء ودواء ساعد على استعادة قواها، وأدخل الراحة والهدوء على نفسها ، هذا هو التمر الذي يذهب الداء ولا داء فيه.
تتغنى الشعوب كافة بالزيت والزيتون، ثمارها غنية بالعناصر الغذائية تقي من السرطان ، تنشط الكبد وتقاوم الشيخوخة قال تعالى {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ، فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا } شجرة الزيتون شجرة مباركة ، في ثمرها غذاء ، وفي زيتها شفاء.
آيات عديدة تستحق الوقوف عندها والتمعن فيها ، هي من أعظم وأجل الآيات التي تدل على قدرة الله تعالى وعنايتة بالإنسان، فقد جعل الله عز وجل من مكونات الطبيعة غذاء لاغنى عنه وجعل فيه مزيجاً من المواد الشافية ؛ تساعد على تحقيق منافع وفوائد عظيمة ؛ التي تعمل عمل الغذاء والدواء.
لم تعد معارفنا اليوم عن علاقة الغذاء بالدواء مقتصرة على معارف مبسطة من كون الغذاء هو عنصر النمو والطاقة، بل بات من الممكن التوقف أمام أثر الغذاء على جسم الإنسان.
قد يتساءل البعض ما الذي يجمع الغذاء والدواء ؟ ومتى يوصف الغذاء بأنه دواء وشفاء ؟
من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى أهمية الغذاء كسلاح لا نستطيع ان نتخلى عنه لأنه يمثل الحل في مواجهة الأمراض.
إن الإنسان مند بدء الخليقة وحتى الآن لا يزال يبحث عن الدواء من مصادر مختلفة من الغذاء ، لقد كان الناس فيما مضى يعتمدون على الطبيعة وحدها فيما يأكلون وما يشربون، كما يعتمدون عليها في علاج أمراضهم ودرء الأخطار عن أجسامهم.
يؤدي الغذاء للجسم وظائف متعددة ، فهو يمد الجسم بما يحتاجه من مواد غذائية لتوليد الطاقة اللازمة لأداء وظائف الجسم الحيوية، وبالمواد اللازمة لبناء الجسم وصيانته وتنظيم العمليات الحيوية، وقد ثبت فعاليتها بأنها تشفي أو تمنع أي مرض.
حياة الإنسان قائمة على متلازمتين، غذاء ودواء، وتقضي الضرورة الاهتمام بمستوى تغذوي أفضل لما للغذاء من صلة بالجسم بناءاً وصيانة واستبدالاً وعملاً، وبناء الأجسام وادائها يعتمد على مدى توفر حاجتها من الأغذية بالكميات والنوعيات التي تحتاجها دون زيادة ولا نقصان، وتقضي الحكمة والعقل عند معالجة الأمراض والمشاكل الصحية، لا تكون إلا بإزالة أسبابها، أي بإصلاح ما اعتاد الإنسان على تناوله من الغذاء بصورة يتفق وحاجة الجسم إليها، فالغذاء دواء فضلاً عن كونه غذاء.
إننا نملك بين أيدينا ما نقدمه لأجسامنا من أغذية متوازنة، تضمن لأنفسنا واجسامنا الحيوية والنشاط ومقاومة الأمراض.
تمكن العلماء من معرفة بعض الوسائل التي يمكن عن طريقها رفع الكفاءة الدفاعية - والهجومية - للأسلحة المقاومة ضد مختلف الأمراض في الجسم، وتلك التي تضعف قدرتها كحصن منيع ضده ، هذه الدراسات أثمرت عن حلول عدة، من بينها المداومة على تناول الأغذية الطبيعية التي تدعم مقاومة الجسم ضد الأمراض والممارسة المستمرة للرياضة البدنية، والتغلب على الإجهاد ومتاعب العمل وهموم الحياة ، وكلها عوامل ترفع من كفاءة الجهاز المناعي.
وفي إطار ما أفضت إليه الأبحاث والدراسات المتقدمة المتعلقة بالعمليات الكيميائية الحيوية المعقدة، سيصبح بالإمكان استخلاص الطاقة وعناصر مفيدة أخرى من الأغذية التي نتناولها، حتى تتمكن أجسامنا من النمو وأداء الوظائف الحيوية المختلفة.
لقد أصبحت العديد من المركبات التي كان ينظر إليها على أنها غير ذات أهمية تنال الإعتراف الآن باعتبارها ذات تأثير واضح على صحتنا ، فعلى سبيل المثال قد تساعد الليكوبينات الناتجة عن طهي صلصلة الطماطم على منع الإصابة بسرطان البروستاتا.
الحقيقة أن الجميع يدركون دور الغذاء في كونه قد يكون ذا تأثير إيجابي أو سلبي على الصحة ، إن الغذاء يستطيع أن يوفر الحماية ضد أنواع عديدة من السرطانات وأمراض القلب والأوعية الدموية والأمراض الأخرى المرتبطة بالتقدم في العمر.
إن فهم الطريقة التي يتفاعل من خلالها الغذاء مع أجسامنا ، يجعلنا ندرك كيف يؤثر الغذاء في صحتنا.
لقد سجل الغذاء نجاحات علاجية كبيرة لبعض الأمراض المستعصية ، مما شكل قلاعاً ضخمة وحماية كافية في مواجهة الأوبئة الغامضةالجديدة ، نشعر بالعجز ولا نجد مأمن يحمينا من خطرها المحدق إلا تلك الأجسام التي تملك مقومات المناعة الطبيعية.
فكل طعام نتناوله يحتوي على مركبات كيميائية ليس بغرض استخدامها كمصدر غذائنا ، ولكن لأن له وظائف أخرى ، أهمها حمايتنا من الإصابة بالأمراض ، هذه المركبات هي حلقة وصل بين الغذاء والدواء ، لما لها من تأثيرات مهمة على وظائف كثيرة في الجسم البشري.
إذن .. حين نتعامل مع الغذاء ، فإننا لا نتعامل مع مادة كيميائية واحدة ذات تأثير واحد محدد ، وإنما مع مجموعة ضخمة ومتنوعة من المواد ، كل مادة منها أو مجموعة مواد متشابهة تسلك سلوكها الخاص ، ويكون تأثير الغذاء الذي يضمها معاً ، هو مجموع كل هذه التأثيرات.
ولأن الجسم البشري منظومة على درجة عالية من التعقيد ، فإن أجهزته المختلفة تستجيب بطرق مختلفة للمادة الواحدة ، فصحة القلب تتضرر بتأثير الكافيين، بينما يحصل المخ على فوائد عديدة ، فالكافيين يرفع مستوى الأداء الذهني، ويحسّن الذاكرة، بل إن بعض الدراسات الحديثة أشارت إلى دوره المحتمل في علاج مرض باركنسون.
عندما نتعرف على بعض المفاهيم الغذائية والتغذوية الهامة ، والتي توثر على صحة الإنسان ، كالفرق بين الأغذية المصنعة والأغذية الطبيعية ، وايضاً الأغذية التي تعارف على إعطائها اسم " عضوية " ، كما أن الأغذية الطازجة تفقد بعض عناصرها الغذائية وتقل جودتها بعد المعالجة الصناعية ، والعلاقة بين السكريات الطبيعية والمحليات الأصطناعية وارتباطهما بالصحة ، والأسباب التي تدعو إلى إضافة ملح الطعام إلى الغذاء ، والحدود التي تحد من تناوله ، بالإضافة إلى التعرف على الزيوت النباتية المهدرجة وغيرها .
ما أحوجنا اليوم قبل الغذ إلى غرس هذه المفاهيم وسط مجتمعنا وفي عالم تسوده حماقات الساسة وعزة أهل القوة المادية ، فهو عالم يموت فيه فاقد الحاجة على قارعة الطريق ، كما يموت فيه ذات الوقت مالك الحاجة .
تخلينا نحن جيل اليوم عن كثير من تلك الكنوز الغذائية التي تمتع بها آباؤنا وأجدادنا، وطرنا وراء رغبات هذا الجيل المترف !
تنازلنا عن تلك الأغذية الطبيعية الحية، وانغمسنا آلياً في معركة الأغذية الخاوية المتهاوية .
أجل بأيدينا مفتاح الصحة، نستطيع الحصول عليه من الغذاء ، يجب أن نختار طعاماً طازجاً مملوء بعناصر النمو ، يكون له القوة الخارقة التي ستحقق نتائج رائعة ، قوي وفعّال وخالٍ من الآثار الجانبية.
لقد استعرضنا فيما تقدم الدور الحيوي الذي يلعبه الغذاء في مختلف جوانب الصحة الأمر الذي يجعله يلعب دوراً فاعلاً في حماية الإنسان من أجل إستمرار الحياة، إننا نعتقد أن هذا كله ليس سوى غيض من فيض ، ربما تميط لنا الأيام القادمة اللثام عن المزيد من اسراره، فعلومنا ومعارفنا ما زالت رغم تقدمها عاجزة عن الإحاطة بأسرار هذا الكون الذي أبدعته يد الخالق جل جلاله.
بقي القول أن العالم اليوم يسعى إلى إحلال الغذاء الطبيعي بدلاً من الأدوية الكيميائية، وإنسان هذا العصر يعيش حياة صحية صعبة ولا يدري ما يُخبئه له المستقبل، واشتدت حاجته لوسائل علاجية ناجعة وآمنة، فالغذاء فيه دواء لكل داء، هو خير أمل وأصدق مبشر.
هذا هو الغذاء الذي يذهب الداء ولا داء فيه، يمنح القوة والحيوية ويمنع الاعتلالات.
الثمن رخيص والفائدة كبيرة ، فالأصل هو الغذاء بلا منازع الذي يغني عن تناول الدواء.
عصر الأدوية والمستحضرات الطبية ربما يكون قد أوشك على الإنتهاء ، وسيصبح لدى كل شخص " سجل طبي " يفحصه الطبيب ليتعرف على الأمراض التي يزيد احتمال إصابته بها ، ومن ثم يقدم له النظام الغذائي الواجب اتباعه للحفاظ على صحته.
العلاج بالغذاء يعني حتمًا طبًا مأمونًا.
منصور الصلبوخ
اختصاصي تغذية وملوثات



