عندما طلب مني كتابة ترجمة أو سيرة تعرف بالمعلم الحاج عبد الكريم الطويل "رحمه الله"، انتابتني حالة من الرهبة، ليس لأن كاتب هذه السطور لم يكن معاصرًا للمتُرجم له، ولم يشاهد صورة تحكي تفاصيل شخصيته.
بل لأن ثمة صورة بهية مشحونة بالمهابة والإجلال مطبوعة في وجداني لهذا المعلم القدير لكثرة ما سمعت عنه من قصص ومواقف وحكايات يحكيها عدد ليس قليل ممن رافقوه وتعلموا عنده ودرسوا لديه.
إطلالة سريعة على سيرة ومسيرة هذا المعلم الرمز توقفنا على رمزية ومكانة هذه الوظيفة الإلهية في المجتمعات الإسلامية، التي كانت بمثابة النواة الأولى للمؤسسات التربوية والتعليمية التي تطورت فيما بعد على شكل مدارس ومعاهد وحوزات وجامعات.
ورغم سيطرة الأمية على معظم مناطق الجزيرة العربية وساحل الخليج، فقد تميز هذا الإقليم (البحرين والأحساء والقطيف) بريادته العلمية والثقافية، فلم تخلُ فترة من وجود علماء وفقهاء وأدباء سجلوا حضوراً باهراً، واحتلوا مواقع متقدمة على مستوى الحواضر العلمية الإسلامية الكبيرة آنذاك.
أحد العوامل المهمة التي ساهمت في تنامي الحالة الثقافية كان هو الاهتمام بالقرآن الكريم تعلماً ودراسة، فلم تكن الكتاتيب أو (مكاتب تعليم القرآن) كما كانت تعرف في القطيف، مجرد مواقع تعليم تلاوة وحفظ القرآن الكريم، وإنما تعدته إلى تعليم مبادئ الحساب والكتابة وتداول الشعر، وتدارس السيرة النبوية وسير الأئمة المعصومين "عليهم السلام" ومثلت على مدى الزمن بيئة حاضنة وفضاءً ملهماً ومشجعاً على بناء الذات وتأصيل الذائقة الأدبية وإذكاء الروح العلمية.
وإذا كان هذا الوصف ينطبق - شدة وضعفاً - على معلمي القرآن الكريم بشكل عام، فإنه شديد الوضوح والبروز بالنسبة لعدد من المعلمين بينهم هذا المعلم "رحمه الله تعالى" بالنظر إلى ما يمتلكه من سمات شخصية، ويتميز به من كاريزما ملفتة تجلت في أبعاد كثيرة في شخصيته نذكر منها ما يلي:
أولاً: البعد الروحي والإيماني
في التأصيل العلمي والمنهجي، هناك سمات وصفات لكل وظيفة ومهنة، تعتبر بمثابة مؤهلات ومتطلبات أساسية لمزاولتها، بعضها غريزي فطري والآخر مكتسب.
ويخطئ من يتصور أن هذه المهنة ضمن طابعها العام ونسقها التقليدي بدع من ذلك، فبالإضافة إلى ما يحتاجه المعلم من مهارات وقدرات خاصة ومواهب فإنها تتعدى ذلك إلى دورها التربوي الذي يعمل على تقويم السلوك وتحفيز روح الإبداع وتزكية النفس.
فهي مهمة ذات أبعاد مزدوجة ومتعددة الجهات، حدد معالمها القرآن الكريم في قوله تعالى "هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آيته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة"، وهو ما ميّز هذه الوظيفة منذ عهد الرسالة إلى يومنا هذا.
يحظى معلم القرآن باحترام كبير وتقدير وتقديس في نفوس طلابه وعارفيه لما يقوم به من دور تربوي وسلوكي مؤثر في حياة الأفراد والمجتمعات، فهو المربي والمرشد والموجه المجلي للأخلاق القرآنية، مصداقاً لقوله تعالى: "الذين يتلون القرآن حق تلاوته"، وحق تلاوته تعني تحريك مفاهيمه وقيمه في حياة الناس.
لقد تميز المُترجم "رحمه الله" بصفات الإنسان المتأثر بهدي القرآن الكريم ونهجه التربوي، وهي صفات انسكبت على شخصيته فأكسبتها وهجاً روحياً وعمقاً إيمانياً وحضوراً تربوياً في المراسم والمواسم الاجتماعية والدينية، فكان شخصية مهابة محترمة "تذكرُ بالله رؤيتُه ويزيدُ في العلم منطقُه".
ثانياً: التوسع العلمي والثقافي
ربما يتصور البعض أن تعليم القرآن الكريم في السابق يتخذ طابعاً ثابتاً في الأسلوب والمنهج، فهو لا يحتاج لأكثر من إتقان التلاوة ونقلها للمتلقي وفق أسلوب تقليدي جامد جاف لا علاقة للإبداع في نجاحه وتطوره.
وهي نظرة سطحية ساذجة جداً، فالمتأمل والدارس يلمس وجود روح إبداعية ونفس علمي تربوي رافق مسيرة هذه المدارس أثرى محتواها العلمي، وظهرت آثارها واضحة في مخرجاتها النهائية، تماماً كما نشاهده اليوم في تنوع وتعدد مسارات التعليم النظامي على مستوى المدارس والجامعات مع أنها تعتمد مناهج موحدة.
نقرأ في التاريخ بروز أسماء بعض المعلمين وتميزهم في أداء دورهم، حيث كانت النخبةُ تعهد إليهم تعليم أبنائهم وتأديبهم كأبناء الخلفاء والوجهاء وكان من يقوم بهذه المهمة يعرف اصطلاحاً بـ "المؤدب" وليس المعلم!
إن إطلالة على سيرة ودور المعلم الطويل توضح أنه كان على يتمتع بمستوى علمي وثقافي، ويمتلك ذائقة أدبية أهلته لتبوء مكانة عالية وموقع متميز بين معلمي القرآن الكريم آنذاك، ما جعله مقصداً للأسر الطامحة والمتطلعة إلى الجودة والتميز.
فبالإضافة إلى تعليم التلاوة، كانت مبادئ الحساب والكتابة حاضرة في مكتبه، كما كان الأدب نثراً وشعراً يحظى باهتمام كبير من لدُن هذا المعلم الفاضل، فكان يلقي بعض القصائد والنصوص الأدبية الدينية على طلبته ويطلب منهم حفظها وكتابتها، إضافة إلى تعليم الصلاة وأحكامها، وتعدى ذلك إلى قيامه بأداء الصلاة جماعة في خطوة تعد جريئة ومتقدمة آنذاك لغرس قيم الصلاة وآدابها لدى طلابه.
وإذا كانت الشجرة تعرف بثمارها كما يقولون فإننا نستطيع أن نؤكد أن مكتب الملا عبد الكريم آنذاك كان بمثابة مدرسة نموذجية في عصرنا الحاضر بالنظر إلى خريجي هذه المدرسة، حيث ضمت خطباء معروفين كالملا محمد المسيري والملا أحمد الوحيد، ومعلمين كالأستاذ هلال آل حبيل، وتجار بارزين كالوجيه المرحوم الحاج أحمد آل نوح وآخرين.
الذائقة الأدبية:
لا يشك أحد أن القرآن الكريم هو أصل كل خير وهو منبع البركات ومفتاح العطاءات ومنهل عذب لا يرده أحد فيصدر عنه إلا بزيادة في علم ونقصان في جهل.
يثري القرآن الكريم فهم ووعي قارئه ويعزز سليقته ويفتح آفاقه ويسمو بروحه ومشاعره في فضاءات رحبه.
ولا أدل على ذلك من التأثيرات التي انطبعت بها روحية هذا المعلم وانسكبت في وجدانه فتفتحت قريحته الأدبية عن شعر في غاية الرقة وجزالة اللفظ وعمق المحتوى في بحور رائعة ومعانٍ رائقة وأغراض شائقة يترجمها الديوان الذي طُبِعَ مؤخراً بعناية من سبطه الخطيب الحسيني المُلا جاسم آل سعيد، وأعانه على إبرازه بحلة قشيبة ومحتوى رائق المربي الفاضل الأستاذ هلال آل حبيل، والفاضل الأديب المتألق والشاعر الولائي الموفق الأستاذ علي كويل "جزاهم الله خير جزاء المحسنين".
ثالثاً: الخاتمة الحسنة
لقد حالف العبد المؤمن الملا عبد الكريم "رحمه الله" التوفيق مرتين: الأولى عندما اختاره كأحد أبرز حاملي القرآن الكريم ومعلميه وهو شرف يتطامن دونه أي شرف ومنزلة اجتماعية أو معنوية كما ورد في الأثر عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، وفي قول آخر: "من أعطاه الله حفظ كتابه فظن أن أحداً أُعطي أفضل مما أعطي فقد غمط أفضل النعمة".
والحظوة الثانية: أن الله سبحانه اختار له بقعة من أقدس البقاع وأفضلها حيث مراقد الأولياء والصفوة من أوصياء رسول الله "ص" وأهل بيته الطاهرين "عليهم السلام".
فختمت حياته بعد معاناة مع المرض في العراق التي قصدها لتلقي العلاج في أحد مستشفيات بغداد، وقد رافقه في رحلته العلاجية تلميذه المبرور الخطيب الملا محمد المسيري " رحمه الله" فلقي الله على أثر تلك العلة وكان ذلك في العام ١٣٨٦ هـ، ودفن بجوار أمير المؤمنين “ عليه السلام" في الصحن الحيدري المبارك، وصلى على جثمانه الطاهر مرجع الطائفة آنذاك الفقية الكبير السيد محسن الحكيم " قدس سره الشريف".
وربما كانت أمنية تراوده ولم يفصح عنها كلما ناجى ربه في لحظات شهوده وخلواته، وهو يسأله حسن الخاتمة، أقول ربما كان يردد الأبيات المشهورة كما كل عاشق موالي لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام".
إذا مِتُّ فادفنّي مُجَاوِرَ حَيْدَرٍ
أبي شُبَّرٍ أَكْرِمْ به وشبيرِ
فَتَىً لاَ يَخَافُ النَّارَ مَنْ كان جَارَهُ
وَلاَ يختشي مــن مُنْكَــر ونكيرِ !
تغمد الله المعلم الكبير والمربي الفاضل الملا عبد الكريم بواسع رحمته ورضوانه وأسكنه الفسيح من جنانه وجعل القرآن قرينه وشفيعه يوم حشره ونشره.



