التنظير آفة المجتمعات، نجد فئة من المنظّرين يملكون البراعة في التفنن في أبجديات النقد، لبعض المظاهر الاجتماعية في إطارها الواسع، واتخاذ الخطوط العريضة منها، كعناوين يتناولونها في محافلهم الفردية.
قد تتسع رقعة النقد لاستعراض العضلات على مواقع التواصل الاجتماعي وما شابه، وبعضهم يستميتون في نقد سياسات الحكومات، سواء كانت داخلية أو خارجية من باب رفض أي فساد قائم أو تعثر في التنظيم على مستوى الاقتصاد أو غيره، وهؤلاء لا يملكون التخصص في مجال السياسة أو لا يملكون الحد الأدنى من معرفة أسس العلوم السياسية.
وعلى الزاوية الأخرى في نطاق الأسرة، نجد هذا المُنَظِّر يفشل في ضبط سياسته في إدارة أسرته، على مستوى التربية أو توزيع الحقوق والتعامل الأخلاقي والتنظيمي، فنجد الانفلات الواضح في سلوك الأبناء، بصورة تُثبت أنه لا علاقة له بعملية البناء التربوي أو الرقابة والتوجيه، ووضع أسس التربية كلبنات متتالية يتلاحق أثرها على مجتمع بأكمله، فالأسرة كما نعلم هي لبنة صغرى أو نواة لبناء المكوّن الحقيقي والمهم لصلاح المجتمع وهو الأسرة.
وهناك عوامل عدّة ساهمت في هذا الفشل الذريع بحكم تأثيره الفعلي على مجتمع أوسع من مجتمع الأسرة المحدودة الأفراد، من هذه العوامل، التعزيز المقلوب الذي يعزز نمو السلوك غير المنضبط للأبناء، وتسيير اتجاهاتهم السلوكية بصورة أولية وكبداية مسار دائم لمرحلة النضج الفعلي والانخراط في مجتمع أوسع، فيغيب التوجيه أو العقاب المناسب في حال حدث تجاوز فادح من الأبناء وربما في وقت آخر يتم العقاب على مواقف أخرى.
وهنا نجد دور المربي متذبذبا بين العقاب المناسب وبين التجاهل في مواقف أخرى، وهذا يعزز من السلوك غير المنضبط لأنه يفتقد أداة تنظيم الانضباط في وقتها المناسب.
الأمر الآخر، نجد عامل الإهمال في الرقابة على توجهات الأبناء في المراحل المبكرة من النشأة، وهي مرحلة التشكّل الفعلي للأفكار والميول في السلوك الدائم، فقد يغيب ترمومتر المبادئ والثوابت الدينية والأخلاقية لتتشكل النظرة القاصرة للأمور، وبالتالي يخرج لنا فرد هدّام في مجتمع أوسع يتأثر أفراده بعضهم البعض بحكم شبكة التواصل الواسعة التي تربط الأفراد في مجالات كثيرة كالبيئة الدراسية وبيئة العمل وشبكات التواصل الاجتماعي، التي اتخذ كل فرد منصته الخاصة ليبث أفكاره وسلوكه التي تمثل نشأته، لذلك يتعين علينا أن نجيب على سؤال: أيهما أولى، أن نحرص على إدارة سياسة الأسرة أو نقد سياسات الحكومات؟ فمن باب أولى أن يركز كل فرد على مسؤوليته الفعلية لينعكس أثره على مجتمعه.
المصدر: آراء سعودية



