للغذاء وانتقائه دور هام في حياة الإنسان، فليس الهدف أن تملأ أمعاءك لتجعلك تشعر بالشبع، وإنما توفير حد كافٍ من القيمة الغذائية من غير تأثير سلبي ينتهي بنهاية مرضية.
زمان كانت وجبة اللحمة لا تنسى، وكان للشحم جمهور وطعم لا يقاوم، وكانت صحارينا متعطشة لهطول الأمطار علّها تنبت الكلأ والمرعى اللازمين لنمو البهائم وسد حاجة الآدميين من اللحوم الشحيحة والتي لا يمكن لعائلة حرمت اللحم أسابيع، وتعودت أن تأكل تمراً ولبناً، حين يقدم لها اللحم على المائدة مرقاً ومصاحباً بشيء من الرز؛ يهجم عليه الجميع، وتتراقص الأيدي لتلامس اللحم، وعلى الأَلْسِنة لن ينسى طعمها الرائع، والذي لا يعادله طعم أي وجبة دسمة ذاقتها العائلة.
كان وجود طبق اللحم حلماً لمعظم الأسر، كانت أياماً لا تُنسى، فما كان يجر الناس على بطونهم إلا مرارة اللقمة ومرارة البحث عنها.
اليوم حدث لدينا انقلاب غذائي كبير تتجاذب أطرافه معطيات الحياة الثرية بكل نِعم الغذاء الظاهرة العامرة على موائدها، هو زمن الرخاء والترهل والإدمان على بروتين الحيوان، نرى الأجيال الجديدة يتقاطرون على اللحوم الحمراء تقاطر النحل على رحيق الأزهار، لم يمنعهم ضرر السمنة المفرطة في مقاطعة المفاطيح ووجبات " الموت الأحمر" بجميع أشكاله، التي غزت ديارنا المثقلة بهمومها الغذائية والتي لا تحتاج إلى مصائب غذائية جديدة، وقفنا محتارين أمام أصناف الطعام التي تتفنن فيها المطاعم والمطابخ والبوفيهات المفتوحة، تمرُّ عليها الأيدي لتبحث في تفاصيلها المأساوية، هذا هو واقع الثراء الغذائي، حيث أصبح الناس يُنفقون المال لإصلاح الخلل في أجسادهم من فرط تناول الغذاء.
بدأ الترهل والسمنة يزحف على مجتمعنا، نجلس كثيراً ونأكل كثيراً، والأمر في زيادة، بتنا نسمع عن أمراض ما كنا نسمع بها أبداً، وموتى لأسباب غريبة.
كان يأكل اللحم بشهية مفتوحة، يأكل بشراهة، ويقضي على ما يمسك به، فالرجل عنده أكثر من خمسين سنة، يلتف حول المائدة يحدق في قائمة الأطعمة ليختار منها كمية من المأكولات المضرة بالصحة أو غير الملائمة للجسم تماماً، كل ذلك دون أن يرمش له جفن!
كان إذا جلس على الطعام يختار أفضل المواقع ويدرس أقصر الطرق للوصول إلى مبتغاه، فإذا قُدم الطعام يأكل كما يأكل الناس، ويمد يده كما يمدون أيديهم، لكنه كان يختار "بعناية" أكثر قطع الطعام دسماً وأغناها بالشحوم واللحوم، كان ينتظر ذهاب لياقة الآخرين الغذائية وامتلاء الأمعاء بما يمكن ملؤه، أما هو فكان يستمر يأكل ويأكل حتى يأتي على الصحون وما حوت، دون أن يشعر بعقدة الذنب أو أن يدخل الخوف إلى قلبه من الكيف والكم الهائلين لما يدخل جوفه.
بعد أن كشف عليه الطبيب، قال له ابتعد عن اللحوم الحمراء كالأبقار والأغنام فلديك داء النقرس، تعجب وقال ما هو المستنكر من الداء؟ شرح له الطبيب باقتضاب أن هذا الداء يعرف أيضاً بداء الملوك حيث كانوا في زمانات الجوع يستأثرون باللحوم الحمراء التي تساهم حتماً في ترسب حبيبات كرستالية من حمض اليوريا في المفاصل مما يسبب آلاماً مبرحة.
هذه المقدمة فتحت الباب لنتحدث عن استهلاك اللحوم الحمراء بالصورة القاتلة، قضية تحتاج إلى توقف، نحن جيل ذاب غراماً في جميع أنواع اللحوم الحمراء والبيضاء والسوداء، وبكل ألوان الطيف أو ما تصله اليد، نحن جيل اللحوم المترهلة.
تعد اللحوم الحمراء من أكثر المواد الغذائية استهلاكاً، إذ إنها من أهم مصادر الغذاء الغني بالبروتين الكامل إضافة إلى مجموعة كبيرة من الفيتامينات وفي مقدمتها مجموعة فيتامينات "B"، وعلى الرغم من الفوائد الكثيرة للحوم وأيضاً طعمها المستساغ؛ إلا أننا كمستهلكين لا نعرف حتى الآن كيف نختار اللحوم الطيبة ومن أماكن ذات السمعة الجيدة، ولا نعرف كيف نتعامل مع اللحوم بطريقة تحقق أقصى قدر من الاستفادة الغذائية.
إن الاستهلاك القليل للحوم الحمراء أظهر عدم وجود مخاطر صحية، وهو متلازم مع النماذج الصحية الجيدة.
هناك أدلة علمية تربط بين الإفراط الشديد في تناول اللحوم الحمراء ووجود أضرار أو مضاعفات مرضية مثل السكري وزيادة ضغط الدم وأمراض القلب وتصلب الشرايين وما يصاحبه من جلطات بالمخ، وكذلك أمراض المفاصل والساقين والفقرات والنقرس وأمراض الغدة المرارية، وسرطانات القولون والمستقيم والرحم والثدي.
تجنب الإفراط في تناول اللحوم بصفة عامة، كونها مصدراً كبيراً في انتشار الأمراض والتسممات، فمعظم اللحوم الحمراء المتداولة لا تتوفر فيها أبسط الشروط الصحية ولا تصلح للاستهلاك الآدمي، هي من أبقار وأغنام مدجنة مليئة بالهرمونات والمضادات الحيوية ومعلوفة بالعلف الصناعي، فهي لحوم بائرة في أصلها، فاقدة للقيمة الغذائية.
إذا شعرت بحاجتك إلى التهام المزيد من اللحوم الحمراء، فهناك احتمال أن هذا الشعور بالولع قد تتحكم فيه المورثات، وتكون واضحة عند البلوغ أو بعهدها بقليل، رغم أن العمر والثقافة يتغلبان على مفعول الجينات، وإن كان ذلك يحدث على المدى الطويل.
السلوك الغذائي لدى بعض الناس مرتبط معظمه بقضية الوراثة والبيئة، الميل بأكل كميات كبيرة من اللحوم سلوك اغلبه مكتسب من البيئة خصوصاً في مجتمعاتنا الخليجية، حيث تنتشر السمنة، ويقل النشاط البدني، وللأسف الشديد بنظرة إلى هذا السلوك نجده بعيد كل البعد عن الاعتدال في الأكل، وديننا الإسلامي الحنيف أوصانا بذلك.
ويكفي أن نعرف أثر البيئة من انتشار "الأندومي بين أطفالنا بشكل مذهل مع وجود العمالة الآسيوية في بيوتنا.
وتتأصل هذه الرغبة لتصبح جزءاً من سلوكياتنا الغذائية الخاطئة، وفي مفهوم التربية الغذائية السليمة نعمل على تصحيح تلك السلوكيات واستبدالها بما يتمشى مع الإرشادات والنصائح التي يضعها المتخصصون في مجال الغذاء والتغذية، لنتجنب الآثار الصحية المؤلمة.
وأنصح لمن تخطوا الخمسين بالابتعاد عن دهن الحيوان، والتقليل من تناول اللحوم الحمراء، نعم.. المشكلات الصحية قد تظهر بأي سن ولكن بالإمكان التنبيه بأن جسم الإنسان بعد سن الخمسين يبدأ بالانحدار إذا صح التعبير، من حيث أدائه لوظائفه الفيزيولوجية، وإذا ما أضفنا إلى ذلك عوامل سلبية أخرى كزيادة الوزن وارتفاع الضغط والسكري نتيجة السلوك الغذائي الخاطئ، فإنها بالتأكيد ستؤدي إلى إرهاق الأداء وبالتالي ظهور الأمراض.
الآن نجد الجيل الجديد يأكل اللحم في ثلاث وجبات، في الصباح ثم يأكل في الغذاء ثم يأكل في العشاء، ثم قس على ذلك بين الوجبات.
ومع ذلك فعندما يثار موضوع الإدمان الغذائي يتشكك بعضهم، وإذا قيل لهم إنكم لا تقاومون ذلك الإدمان، لا يقبلون بذلك رغم ما يحدث من إصرار بعضهم على تواجد اللحوم في ثلاث الوجبات ولا يقبل بتناول سواها، وهو يفعل ذلك رغم علمه أن اللحوم الحمراء تسبب له خطورة كبيرة، وقد يشعر بالذنب بعد إشباع رغبته الجامحة، ثم يفعل ذلك كل يوم.
ألا تسمى تلك الظاهرة إدماناً أو أنها تشبه الإدمان على أقل تقدير فكيف لنا التخلص من ذلك؟!
التخلص من الإدمان تشبه مظاهر الحرمان، باعتبار أن المحرومين لم يعودوا طبيعيين.
عجيب أمر المدمنين يتناولون في الإفطار سندوتشات الكبدة والكلاوي واللحمة المقلية الغنية بالدهن، وفي الغذاء يقبلون على الوجبات السريعة والمفطحات ويأتي العشاء بالمشويات والمقليات وما شابه ذلك.
لا شك أنه يجب تجنب الإدمان وتناولها يومياً لما في ذلك من خطورة والاقتصار على تناول اللحوم الحمراء ابتداء مرة أو مرتين أسبوعياً بدلاً من الإدمان.
يبقى أننا اليوم لم نعد نشاهد أياً من الموائد والولائم العامرة بأكوام اللحوم الحمراء، أكثر المظاهر الاحتفالية في مناسباتنا الاجتماعية بسبب الاحترازات الصحية، وقد يكون من وراء ذلك خير من الله عز وجل، لكن في المقابل فإن تلك الأصناف المحضرة خارج المنزل في المطابخ والمطاعم ما زالت على المائدة العائلية.
لم يعد تركيز الفرد منا في طعامه اليومي على العناصر الغذائية الطازجة غير المطهية، ولم تعد هناك مراعاة للتوزيع الغذائي للوجبة، فبدلاً من أن تحتوي الوجبة 20% بروتينات والتي عادة ما تكون متوفرة من اللحوم والبيض والألبان والحبوب والبقوليات وغيرها و65% من الطعام من الخضراوات والفواكه والسلطات، والنسبة في المائة المتبقية من فئة الدهون، أصبحت المائدة تحتوي على كل ما هب ودب، وهذا كله أودى بنا إلى أمراض صنعناها بإرادتنا الكاملة، بالفعل كما نريد، فقط بعض المفطحات وتوابعها.
إن ترك أمر الطعام للذوق الشخصي أمر مقبول نسبياً، فبعض الناس لا يأكلون دهن اللحم، أو لا يأكلون اللحم أصلاً، ويتجنبون أكل الدسم من قشدة وزبدة وسمن بلدي ويكتفون بالنباتات التي تعامل ببعض الزيت النباتي، بينما يبالغ آخرون في أكل اللحوم والدهون والشحوم، وكلا الطرفين واقع بين الإفراط والتفريط، فإن الله تعالى خلق ما في الكون جميعاً وسخره للإنسان، وما من شيء في الوجود إلا وفيه فائدة للإنسان قد يدركه وقد لا يدركه، والمهم تطبيق القواعد القرآنية: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا}.
الآن.. ربما اكتشفنا أخيرًا مقدار الضياع الذي نحمله داخلنا، والعجز الذي يشل حركتنا وتفكيرنا، نحن لا نملك إلا الأدوية فقط، ولا نعرف إلا الذهاب للطبيب!
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.



