12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

العزاء عن بعد

ونحن نتحصن أسوار البيوت خوفاً من الجائحة، تمطرنا سماء وسائل التواصل الاجتماعية بأخبار الفقد الموجعة، يضاعف الفجع أننا لم نلتق الكثير من الأحبة الذين قضوا نحبهم في هذه الفترة، ولم نحظ بلقاء قريب لبعض من نعرفهم أو نعرف أحبتهم.
في غفلة يخطف الموت قريباً عزيزاً أو جاراً ودوداً أو جارة جليلة، كبيرة وصغيرة، أو أب لصديقة أو أم لها، أو شابة في عمر الزهور هذا الموت الذي يختار ضحاياه بعناية، ونبقى عاجزين عن حضور مجالس العزاء، التي أصبحت مجالس إلكترونية عن بعد نحاول حشد مشاعرنا في عبارات العزاء التي تنوء عن حملها فضلاً عن إيصالها.
افتقدنا مجالس الفاتحة لتعزية أحبتنا، تلك المجالس التي تمتص طوفان الحزن وفجع الفقد، مجالس تتجلل بهيبة الموت، فنحضرها بوجوه مجردة من كل لون، ويتوحد مظهرنا بالسواد أو القاتم من الألوان كقتامة الموت ذاته.
نتوافد إلى مجالس العزاء بقلوب متفطرة لحقيقة الفقد الموجعة، نحتضن فيها أحبتنا بأقل العبارات ونترك لدموعنا وأذرعتنا التي تحتضنهم المهمة القادرة على التعبير عن مساحات الحزن التي تحتوينا.
نتراص على المقاعد بصدورنا المخنوقة باللوعة والأسى لحال الفاقدين، نبلع غصة حادة في حلوقنا، لأننا لا نعرف متى سنكون في هذا المعزى.
يخيم سكون الذهول وهول مصيبة الموت على المكان إلا من نشيج متقطع تحاول الفاقدة كتمه لكنه ينفجر، يقطع غلالة الصمت الرهيفة، فيهيج عبرات ملكومة في صدور الفاقدين والملتاعين.
يعلو صوت الخطيبة بالبسملة والاسترجاع والحوقلة بصوت مهيب بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإنا لله وإن إليه راجعون كأنه يقرع أجراس القيامة ويضعنا أمام شمس الحقيقة، تبدأ القراءة بصوت جهور، وتتلو على المسامع الحقائق المنسية (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)، وتتوالى بطرح الأسئلة الوجودية أين الملوك والأرباب وأين الأنساب والأحباب وأين العلماء والطلاب وأين الأقرباء والأصحاب، وتنتهي بصوت خفيض متهدج كأنها أمواج الحياة العالية العاتية تتكسر أمام كبرياء الموت لتقر بحتميته.
خاتمة عباراتها بالدعاء إلى روح من اجتمعنا بسببه والمندرج إلى رحمة ربه لتقطع بكل حدة الواقع الأليم لتلك المخيلات البديهية في أولى مراحل الصدمة، والتي ترفض وتنكر التصديق بالأمر والتي تتعالى في صرخات الفاقدين بأنه (ما مات).
افتقدنا مجالس العزاء التي كانت جوانبها تحتضن طوفان الأحزان واللواعج الملتهبة، وتغسل الأرواح الحزينة بتذكر مصائب أهل البيت عليهم السلام فتواسي نفسها في مصائبهم، وتطلق حسراتها في فضاءاتها لعلها تداوي القلوب المتفطرة، تتوالى على مسامعنا آيات (وجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ ١٩ ونُفِخَ فِي ٱلصُّورِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡوعِيدِ ٢٠ وجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وشَهِيدٞ ٢١ لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ).
تذكرنا بالنهاية المحتمة التي تخادعنا بها دوامة الحياة المتسارعة، وأنها المحطة الأخيرة في قطار الحياة الهادر.
لأحبتنا الراحلين الذين خلفوا في قلوبنا حسرة والذين تعذر علينا حضور مجالسهم الدعاء الدائم لهم بالرحمة وللفاقدين المحزونين بعظيم الأجر، وإلى روح الشابة الفقيدة مريم عبد الإله أبو السعود التي أثار رحيلها كل مشاعر الحزن المكبوتة في صدري، وقد تعرفت عليها في مكان تتمظهر فيه عنفوان الحياة والقوة وهي تخلع بالطوها الأبيض وتدرجه بعناية في خزانة الصالة الرياضية، وتنثر بابتسامتها الوادعة سكينة في القلوب رغم توثب روحها لمعانقة الحياة، لهذه الروح الشفيفة الصابرة المحتسبة الرحمة والراحة والسلام ولوالدتها الغالية أم زكريا خالص الدعاء بأن يربط على قلبها بالصبر ويعظم لها الأجر بهذا المصاب الأليم.


error: المحتوي محمي