استعرت عنوان هذه المقالة من مقالة كتبها الأديب الكبير الأستاذ المرحوم محمد رضا الشماسي "رحمه الله"، أبَّن بها فقيد العلم والأدب في القطيف العلامة الشيخ عبد الحميد الخطي، ونشرت في جريدة "اليوم" في أيام وفاته "رضوان الله عليه".
ففي الرابع عشر من شهر محرم الحرام حيث القلوب لا تزال مكلومة لمصاب سبط رسول الله "صلى الله عليه وآله"، تحل ذكرى رحيل العلامة الخطي "رحمه الله".
عشرون عاماً مضت ولا تزال شخصيته ومواقفه حاضرة في وجدان وذاكرة الأمة، بما كان يمثله من رمزية دينية ووطنية ومرجعية فكرية وثقافية، وحضور أدبي باذخ لا يزال أريجه يضوع في أرجاء الزمان والمكان.
في غمرة هذه الذكرى الأليمة نستذكر بإعظام وإجلال إطلالة تلك القامة الشامخة وحضورها البهي فنستعيد معها ذكريات الأمجاد وأمجاد الذكريات.
استقلاليته ووسطيته وانفتاحه على الجميع جلبت له الكثير من المتاعب، غير أن ثقته بصدق منهجه ونفاذ بصيرته وعمق التجارب والخبرات التي خاضها منذ أن كان لدُن العود أكسبته مهارة قيادية ملهمة وأعطت شخصيته وهجاً وحضورا مختلفاً في الوسطين الرسمي والشعبي.
سكب كل ذلك على مواقفه ووقفاته وجهوده وجهاده فأضفى عليها حكمة بالغة وصرامة نافذة فكانت كلماته البسيطة غير المتكلفة وسلوكه الأبوي ينساب بهدوء وفاعلية تترك تأثيرها في القلوب والعقول.
مواقف كثيرة جمعتني بهذا الرمز الديني والوطني الكبير منذ كنت طفلاً صغيراً أذهب برفقة والدي "رحمهما الله" نزوره في بيته في حي البستان وفي مسجده بالقلعة المجاور لحسينية العوامي.
قبل اكثر من أربعين سنة حيث كنت أختلف إلى مسجده للصلاة معه وإجراء عقود النكاح وإيقاع الطلاق، وبعد ذلك في مقر المحكمة الجعفرية قبل أن تتحول إلى دائرة الأوقاف والمواريث.
كثيرة هي أبعاد شخصية هذا الفقيد الرمز، غير أنني سوف أقتصر على بعضها.
أولاً: موسوعيته وعمق ثقافته:
مع أن الطابع العام لشخصيته هو الفقاهة والقضاء وإمامة الجماعة، غير أن ذلك لم يكن عائقاً له عن الانفتاح على جوانب الثقافة والمعرفة في كل ما له علاقة بتخصصه كفقيه أو مجال عمله كقاضٍ أو ما يخدم فضاءات اهتماماته الوطنية والدينية، بحثه الفقهي بعد الصلاة كل ليلة يفتح آفاق المتلقي ويوسع مداركه الفقهية والحياتية ويعكس عمق شخصيته ومنهجه الوسطي.
أذكر أنه كان يبحث في منهاج الصالحين للسيد الخوئي " قدس سره" كتاب البيع وبالتحديد في حرمة بيع آلات اللهو، حيث يمثل لها بالبرابط والمزامير، وهي الأدوات المعروفة زمن النص، وهنا يوضح "رحمه الله" أن البربط ليس له وجود في زماننا فقد حل محله البيانو والأرغن والجيتار!
وعندما يلاحظ الاستغراب، يعقب بقوله: ليس عيباً أن يعرف الفقيه الأدوات الموسيقية إنما العيب أن يجهلها، وهو مصداق للرواية الشريفة عن الإمام الصادق "عليه السلام": "العارف بزمانه لا تهجم عليه اللوابس"، أي لا تدخل عليه الشبهات ولا تلتبس عليه الأمور ولا تختلط عليه الأوراق.
ثانياً: اهتمامه بالشأن العام ومنح الثقة للعاملين والمتطوعين:
في إحدى دورات مجلس إدارة جمعية تاروت الخيرية اثار بعض الفضلاء شبهة عدم شرعية التصرف في اموال الجمعية كونها صدقات وتحتاج مأذونية من الفقيه، وأعضاء الجمعية لا يمتلكون ذلك، وأحدث ذلك إرباكاً لدى الداعمين وأعضاء المجلس، في الأثناء قمت بزيارته "رحمه الله" وعرضت عليه الأمر، فسألني عن الأعضاء الآخرين في المجلس فأخبرته بهم، وفوراً قال لي: إنني بصفتي وكيلاً للفقيه فأنا أجيزكم التصرف في هذه الأموال في القبض والصرف بحسب ما ترونه، وهو موقف من بين عشرات المواقف المساندة والداعمة للمؤسسات الخيرية والأنشطة الاجتماعية، يكشف عن فقاهة وعمق في طريقة فهم الحكم الشرعي وتطبيقه بأسلوب فقيه يرى أنه أداة تنظيمية بدلاً من جعله عائقاً يربك الحياة ويعطل أنشطة الناس.
ثالثاً: بساطته وعفويته في التعامل مع الناس:
فيما لا يزال حضور الأطفال للمساجد يشكل عقدة للكثير من أئمة الجماعة حتى الشباب منهم، أتذكر ذات مساء كان ابني "مصطفى" ذو الخمسة أعوام، يرافقني أثناء حضوري للصلاة وإجراء عقد نكاح، حيث كان الشيخ يجري العقود بعد الصلاة، ورغم سيل التوصيات له بمراعاة الهدوء أثناء الصلاة وعدم التحرك من مكانه وأن ذلك يزعل الشيخ! أثناء الصلاة أغراه انتظام صفوف المصلين ووجود ممرات تسمح لها بممارسة لعبته المفضلة "سياقة السيارة" فأخذ يجول بين الصفوف!
بعد انتهاء الصلاة اتيت مسلماً مطرقاً برأسي خجلاً، سألني الشيخ بهدوء، هذا ولدك؟ قلت له: نعم وأخبرته باسمه.
فالتفت إليه يداعبه: مصطفى، جدك ملا خليل مو لاش (لاش باللهجة القطيفية المزعج وبعبارة أخرى شيطان) انت طالع على من؟ طبعاً هو ما فهم سؤال الشيخ، استمر في تهدئته فقال له: إذا رجع جدك من العمرة - كان الوالد "رحمه الله" مسافراً لأداء العمرة الرجبية - وجاب لك صوغه "هدية السفر" شاركني فيها مو تنسى! وانتهى الموقف دون ضجيج وصياح.
لا أدري أين اختفت هذه الروح الأبوية من مساجدنا وحسينياتنا بل من منازلنا أحياناً؟
رابعاً: قضاء حوائج الناس:
أزعم صادقاً أن الهاجس الذي يؤرقه والهم الذي يحمله ولا يكف عن تناوله في كل أوقاته وحالاته هو السعي لقضاء حوائج الناس والشفاعة لهم، وكان هذا قبل توليه مسؤولية القضاء كما أخبرني هو شخصياً ببعض المواقف، وأعتقد جازماً أن أكثر الناس لديهم شواهد ومواقف تؤيد ما أقوله، في أكثر المرات التي أزوره في مكتبه أو بيته أشاهد وجود أشخاص من مختلف مناطق القطيف يأتونه لطلب شفاعته في إطلاق سجين او إنجاز معاملة هنا وحل مشكلة هناك، وفي أغلب الأحيان كان يتصل مباشرة بالمسؤول صاحب الصلاحية ويتحدث معه مباشرة دون تأجيل أو تقديم مبررات.
هذا غيض من فيض مواقف ومشاهد لا تزال شاهدة على عصر ذهبي كان الشيخ خيمة يستظل بها الجميع حصناً يلوذ به الصغير والكبير، فلا غرو إن بقيت هذه المواقف والمشاهد حاضرة في ذاكرتنا ووجداننا.
رحم الله الفقيه الحجة الشيخ عبد الحميد الخطي فهو مصداقاً لقول الإمام "عليه السلام": "الْفَقِيهُ كُلُّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَلَمْ يُؤْيِسْهُمْ مِنْ رَوْحِ اللهِ وَلَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ مَكْرِ الله".



