12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

المجالس الحسينية.. وتربية الأجيال

في إحدى المناسبات الدينية في شهر محرم الحرام حيث يحيي محبي أهل البيت عليهم السلام ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام في واقعة الطف الأليمة التي وقعت بكربلاء المقدسة في اليوم العاشر من العام 61هـ.
وفي ليلة العاشر وهي الليلة التي تعطل جميع الأنشطة التجارية وتغلق أبوابها وتطفئ الأنوار فيسود الظلام الطرقات حزنًا على هذا المصاب الجلل.
يتوجه المحبون للمساجد والحسينيات. فتجد الشيخ الكبير والطفل الصغير. من النساء والرجال والشباب وقد لبسوا السواد ووضعوا العصابات على الرؤوس. وكأنما هناك من يناديهم فيستجيبون له. نعم إنه نداء. لبيك يا حسين .. لبيك يا حسين، والناس متجهة إلى مكان العزاء.
كان رجل في الثلاثين من عمره يلبس السواد ويمسك بيده طفله الصغير الذي لا يتجاوز الرابعة من العمر. ومعصب بعصابة حمراء كتب عليها (يا حسين) ويلبس ثوبًا أسود، ونظراته البريئة تتجه إلى ذلك المكان؛ إنه مجلس العزاء. خطوات بطيئة (بحكم صغر سنه) ولكنها مستمرة دون كلل ولا ملل.
يقتربوا من المجلس. يقف الأب. ويقف ابنه. الطفل ينظر إلى أبيه. وعلامات الاستفهام على محياه وكأنه يقول لماذا توقفت يا أبتي؟
يدخل الأب يده في جيبه. ويخرج شيئًا ويضمه في قبضته. ينحني إلى طفله ويضع يده في يد الطفل.
ويهمس في أذنه. ويشير بيده إلى هناك. أمام بوابة المجلس. ينظر الطفل. ليرى رجلًا كبيرًا فقيرًا افترش الأرض ينتظر المتسابقين لفعل الخيرات وإعطاء الصدقات.
يعيد الطفل نظراته إلى أبيه وكأنه فهم القصد من هذا الفعل. تبسم. وترك يد أبيه. وتوجه مسرعًا نحو ذلك الرجل الفقير.
وصل، مد يده للرجل الفقير. أعطاه المقسوم من الرزق الحلال. تبسم الرجل في وجه الطفل. وتمتم بكلمات لم يفهمها الطفل لصغر لسنه.
عاد مسرعًا لوالده والفرحة تغمره من هذا العمل الجميل وكأنه فعل شيئاً عظيماً. الأب احتضن ولده وقبله قبلة على خده. ومسح بيده على رأسه تعبيرًا عن الرضا بهذا الفعل. وصلوا المجلس وجلسوا ينتظروا بدء المجلس الحسيني، وأخذ الناس بالمجيئ. ليمتلئ المكان بالحضور.
وظل الرجل الفقير جالسًا على بوابة المجلس. ينتظر المزيد من الصدقات فهو يعلم أن هذه المناسبة تجعل الناس يتعاطفون معه باسم الإمام الحسين عليه السلام.
ولكن هذا الاستقرار لم يستمر كثيرًا. فكما أن هناك رجالاً طيبين. هناك النقيض لهم، فجأة. يعلوا صوت عاليًا أمام بوابة المجلس. المعزون تتوجه أعينهم لمصدر هذا الصراخ.
وإذا برجل يقف على رأس الفقير. وهو يتهجم عليه بكلمات قاسية على مسامع الحضور، الصمت يخيم على المكان. الرجل الفقير من شدة خجله من هذا الموقف طأطأ رأسه للأرض. وكأنما انكسر قلبه.
ومازال الرجل يتهجم عليه بكلمات. أنت. لماذا تجلس على بوابة المجلس؟ فأنت تعيق حركة سير المستمعين. ولماذا لا تذهب إلى الجمعيات لطلب المساعدة؟ ولماذا؟ ولماذا؟ فأنت تعطي صورة سيئة عن المجتمع.
أخذ الرجل حذاءه الذي كان يجلس عليه. وقف وهو ينظر بنظرات انكسار واضعًا يده على مقبض بوابة المجلس، وتوجه بنظراته إلى داخل المجلس. وكأنه ينظر إلى المنبر. وعيناه تدمعان.
فنادى بصوت حزين. ومتلعثم. السلام عليك يا أبا عبد الله. يا باب الحوائج. أطلب من الله ومنك ألا تضعني ذليلًا أمام أناس. وألا آخذ حاجتي منهم، بيده الأخرى يمسح الدموع. يستدير ليتحرك من مكانه، منظر حزين. وكأنه مشهد تمثيلي يعرض على السينما. فتأثر به الحضور.
يقف رجل. يتجه نحو الباب. يمسك بيد الفقير. يقبل رأسه. ويعتذر عن هذا التصرف من ذلك الرجل. يطيب خاطره بكلمات جميلة ومهذبة.
ثم ينظر إلى ذلك الرجل الذي علا صوته. ويقول له: ألا تملك ذرة من الإحساس أو ذرة من الرحمة والشفقة؟ كيف تسمح لنفسك أن تهين هذا الرجل المسكين؟ لأنه لا يمكن أن يدافع عن نفسه. فلا يحق لك أن تجرح مشاعر الناس بهذه الطريقة. حيث إنه ينتظر هذه المناسبات ليأخذ المساعدات من المؤمنين.
إذا كان هذا الرجل كما زعمت يشوه سمعة المنطقة. فلماذا لم تبادر لسد حاجته. والنظر في أمره؟، وأنت تزعم بأنك تحضر لمجالس الإمام الحسين عليه السلام لأنك محب لأهل البيت عليهم السلام. فهذا لا ينطبق على تصرفاتك. فهذه المجالس تربي المحبين على فعل الخيرات. وتربيهم على الأخلاق الحسنة.
التف حولهم جمع من الرجال. يحاولون تهدئة الوضع، يكمل الرجل نصائحه؛ إن كنت لا ترغب في مساعدة الفقراء. فلا تحرم الناس من هذه النعمة فهي محل أجر وثواب عند الله، لحظات قليلة. يحضر الخطيب الحسيني. ويرى التجمع أمام المجلس.
يستفسر عن السبب؛ وبعد معرفته. وبكلمات مهذبة هدأ الجميع. انفض الجمع،رجلس الرجل الفقير مكانه. وأسند ظهره على باب المجلس ليستمع لمصاب أبي عبد الله الحسين عليه السلام.
نعم.. هناك فارق كبير من تصرف ذلك الأب وحث ابنه الصغير ليأخذ بعض من المال ويساعد الفقير بغض النظر عن أحواله المادية. وبين ذلك الرجل الذي نزعت من قلبه الرحمة والشفقة على هذا الفقير.
نعم.. هذه هي نتيجة التربية فإن كانت سليمة فهي تبني مجتمعًا فاضلًا محبًا لفعل الخيرات.
والعكس صحيح!


error: المحتوي محمي