12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من تاروت.. الشايب: الندافة سافرت بي لـ الهند.. وبيتُ العماني أوصل اسمي للدمام والبحرين

ألزمهُ العقدُ الثامن من عمرهِ البقاء في بيتهِ بين أولادهِ الثمانية وبناتهِ الأربع وأحفادهِ الأحبّة؛ لكنّ ذكريات وعقل الحاج علي صالح رضي الشايب مازالت تعودُ بهِ للزمن الجميل، وبالأخصّ منزلهم القديم، ووجهِ والدهِ الحاج رضي، وعالم "الندافة" التي ولجَها قبل ما يزيد على الـ60 عامًا، حيثُ تنفّسَ رائحةَ القطن والنسيج والأقمشة مبكرًا، وهو لا يزال في الـ12 من عمره، فقد كان منزل والدهِ معملهما الخاص للتنجيد وأعمال القطن المختلفة، فمنذُ صياح الفجر لا ترى في ذلك البيت سوى أيدٍ أحبّت العمل بقدسية، وأبٍ محبّ وابنٍ بارٍّ، يعملان معًا على تجهيز القطن ونفشهِ وحشوهِ في قوالب القماش المختلفة، ليُنتجا للناسِ العديد من المواد التي يحتاجونها لراحتهم؛ كالمفارش والمجالس الأرضية والوسائد والمراتب وغيرها.
بيت الوالد
امتهنَ الشايب مهنةَ الندافة برعايةٍ من والده الحاج رضي الشايب، والذي كان يمتهن الندافة وراثةً عن والدهِ الحاج علي الشايب، ومن أنفاسِهما، تنفّس هذهِ المهنة وورثها عنهما، وهو لا يزال فتىً يافعًا يبلغُ من العمر 12 عامًا، وبأيديهما فقط وأداةٍ بسيطة هي"القوس" اتخذا من فناءِ منزلهما معملاً ومكانًا يتسع لعملهما وأحلامهما في هذهِ الحرفة.
ذكريات
يسترجعُ الشايب ذكرياتهُ مع بداية عملهِ في الندافة لـ«القطيف اليوم» قائلاً: "عرفت الندافةُ دربَها لي، وعرفتُ دربي إليها أيضًا منذُ صغري، حينما بدأت العمل مع والدي رحمهُ الله مُتّخذين من منزلنا معملًا صغيرًا لحرفتنا هذه، وكان يشاركنا أيضًا في عملنا أخي حسين أبو مفيد حفظه الله".
ويُضيف: "بسبب شهرة والدي في المنطقة، كانت الطلبات ترِدُنا من عدة مناطق متفرقة من أنحاء القطيف وتاروت ودارين وصفوى كذلك، وكان العملُ في هذهِ المناطق البعيدة عنّا كصفوى، يتطلّبُ منّا الذهاب لبيت الزبون بالوسيلة الوحيدة المتوفّرة في ذلك الوقت وهي "الحمار والقاري"، ونظرًا لبُعد المسافة كنّا نضطّر للمبيت في بيت الزبون عدة أيام، تتراوحُ ما بين الـ5 إلى الـ7 أيام، حيثُ نندفُ القطن في منزلهِ، ونُخيط الفرش والوسائد للمعاريس، وكذلك نعملُ المساند والمجالس".
ويكملُ: "أمّا المناطق القريبة لمنطقتنا تاروت؛ كمنطقة دارين وسنابس وغيرها من أحياء تاروت، فكُّنا نذهب إليها مشيًا على الأقدام، محمّلين بجميع المستلزمات من القماش والقطن والأدوات وغيرها ممّا يلزمنا".
محل الدشة
بقيَ الشايبُ وشقيقهُ حسين يعملان في مهنتهِما في الندافة في  البيتِ الخاص بهما، حتّى دعتهُما الحاجة الزمنية وتطوّر الوقت، للبحث عن محلّ مستأجر، يتوسّعان من خلالهِ في مهنتهما، ويعرضان فيهِ للعالمِ ما ينتجانهُ، ويعملان فيهِ بشكلٍ منظّمٍ وأكثر حرفية.
فاستأجرا محلًا للتطريز والندافة في حي"الدشة الجنوبية" من جزيرة تاروت، والذي كان يُسمى عندهم "ببيت العماني" وكان هذا المكان المُستأجر خاصًا بالتطريز، مع بقاء العمل في الندافة في بيتهما.
توسعٌ وانفصال
توسّع العملُ بصورةٍ كبيرة بعد استئجار المحل، ومع هذا التوسّع، انفصمَت الشراكةُ بينهُ وبين أخيه حسين أبو مفيد، فاستأجرَ شقيقهُ محلّهُ الخاص في سوق ميّاس بالقطيف، واستأجر الشايبُ محل"بيت العماني" لنفسهِ.
وتوالت الطلبات بعدها وكثُرت، فالعملُ الجيّد والمتقن حقّقا لهُ الشهرة الكبيرة، وأصبحَ الناس يأتونهُ خصيصًا من صفوى والجبيل والدمام، وذاع صيتهُ للبحرين أيضًا، وأصبح لهُ هناك قاعدة جيّدة من الزبائن والواثقين بجودة عمله.
بومباي
وحولَ مشوارهِ وخطواتهِ لتطوير المحل يقول: "بعد أن حققتُ بفكري وقوتي وعملي وثقتي بذلك كلهّ وبما أصنعهُ، تملّكتني الرغبة في تحسين وتجويد السلع المصنعة محليًا، فعقدتُ العزم وابتعتُ تذكرةً للعاصمة الهندية "بومباي"؛ لجلب العمالة المختصة بالتطريز والندافة".
ويتابع: "في ذلك الوقت لم أكن أتقن اللغة الهندية، وبواسطة أحد المكاتب، تم إبرام الاتفاق على جلب بعض العمال واختبار قدراتهم الفنية والمهنية تحت إشرافي الخاص، حتى يتمّ توظيفهم للعمل في المحل الجديد وبالمكائن الحديثة، وكان هذا الحدث عام 1395ھـ".
وأردف: "بعدها بدأتُ بشكلٍ متوالٍ الذهاب للهند؛ لجلب العمالة، واستيراد المستلزمات اللازمة لتطوير إنتاجنا، من خيوطٍ ممتازة وإبرٍ وخامات لأقمشةٍ مميزة وما شابه، كما كانت البحرين والرياض وجدة والدمام وجهاتٍ دائمة لي لشراء البضاعة الجاهزة للمعرض".
سوق تاروت
افتتحَ الشايب معرضهُ الحالي في سوق تاروت على الشارع العام عام 1400ھـ، وقد كانَ أول مستأجرٍ للمحلّ الذي قد أُنشئ حديثًا حينها، أمّا معمل الندافة فأصبحَ خلف المعرض الجديد من الجهة الغربية، وكانَ عدد العمال حينها 15 عاملاً.
تزايدَ الطلبُ في تلك الفترة على المعرض، وكان العملُ في أوجّهِ، واتسعت رقعة الزبائن على المعرض، لتشملَ جميع المناطق في المنطقة الشرقية من القطيف والدمام والخبر والجبيل، وحتى البحرين أيضًا.
واتخذ المعرض بكلّ سلعهِ وبضاعتهِ التي تميّزت بلمساتهِ الخاصة على سلعهِ، مكانًا لهُ في سوق الخميس الشعبي كذلك، وقد كانَ حينها أحد المعالم التجارية في المنطقة الشرقية، ورافدًا مهمًا من روافد البيع آنذاك.
لغة وتطوير
تمكّن الشايب من خلال رحلاتهِ للعاصمة الهندية، وتعاملاتهِ مع التجار هناك، ومن خلال تعاملهِ مع عمالهِ وتدريبهم والإشراف عليهم أن يبرعَ في التحدّث معهم باللغة الهندية، ممّا ساعدهُ بعد ذلك في إتمام صفقاتهِ بسهولة، والتعامل مع عمالهِ كذلك بكل سلاسة، وتعليمهم اللغة العربية في مقابل ذلك، وبعد أن كانَ نشاطهُ  قديمًا مقتصرًا على تنجيد المساند والمراتب واللحافات، أصبحَ محلّهُ مواكبًا لكل جديد، فبدأ ببيع المفارش والوسائد المطرزة والمراتب الإسفنجية والمخدات الطبية والبطانيات المستوردة ومشتقاتها.
أبناؤه
تولّى الشايب إدارة معرضهِ بنفسهِ، وكان يُولي أبناءهُ طاهر وصادق ومرتضى مسؤولية البيع والإشراف على المعرض، وبيعهم في سوق الخميس، وإدارة العمالة في أثناء سفره.
الماركات
أثّرت الجائحة على معرضه بصورةٍ كبيرة كحال الكثيرين أمثاله، إضافةً إلى تأثرهِ من قبل حصولها أيضًا بانخفاض الإقبال عن ذي قبل؛ بسبب توجّه الناس لشراء الماركات، وافتتاح المحلات الأخرى من قِبل العمالة الأجنبية.
هذا، ويمارس المحلُ نشاطهُ للآن تحت إدارة ابنه مرتضى، بعد بقاء والدهِ في المنزل نتيجةً لتفشي الوباء، ويقدّم المعرض جميع خدماتهِ لزبائنهِ من القطن والتطريز، والمفارش والوسائد والشراشف والبطانيات، وغيرها، كما استجدّت خدماتٌ للمعرض بنفس الجودة والإتقان المعروفة عن المعرض، تمثّلت في خياطة الستائر والكنب والجلسات العربية بجميع الأشكال، حسب طلب الزبون ورغبتهِ واختياره.
تجاوبٌ رائع
تجاوبَ الناس مع أعمال الشايب المميزة والمشهورة بجودتها طوال الـ60 عامًا التي قضاها في عمله، والتي لا يختلف على حرفيتها اثنان، ونقلَ حرفيتهُ كذلك ومهاراتهِ لجميع عمالهِ الذين تدربوا على يديه، واشتهروا كشهرتهِ، وهم يختلفون في مستوى مهاراتهم وأدائهم، فالعامل "قمر الدين" بارعٌ في الندافة، والعامل "محمد شاهد" ماهرٌ مثله، وفي التطريز هناك العامل "موسى"، أما في خياطة أكياس المراتب والمجالس والوسائد فالعامل "عبد العزيز" متمكنٌ جدًا.
وقال الشايب تعليقًا على ذائقة الناس حاليًا: "ربما يتوفر الأرخص من المنتوجات ذاتها التي ننتجها عند محلات الأفغان، لكنّ الجودة بالطبع ليست نفسها، بل إنّ كثيرًا من الزبائن يرجعون إلينا لإصلاح ما لم يعجبهم من عملهم، أو للبحث واختيار الجيد من أعمالنا ومنتوجاتنا التي لا يرونها عند بعض هذهِ العمالة".
ما لا تعلمهُ
لم ينل الشايب مكانتهُ وشهرتهُ في بلدتهِ كواحدٍ من أوائل وأشهر من مارسَ مهنة الندافة فحسب، بل كان دورهُ الاجتماعي والتطوعي الإطار الأبرز لشخصيتهِ في المنطقة.
إلى ذلك، وجد الشايبُ نفسهُ في خطّ العمل الاجتماعي، منجذبًا بقوة لكلّ ما يخدمُ مجتمعهُ التاروتي عبر جمعية تاروت الخيرية، النافذة الأكبر للعمل الخيري التطوعي في جزيرة تاروت، بما تقدّمهُ من دعمٍ ومساعدة للفئات المحتاجة، فألزم نفسهُ بالمشاركة في إنجاح هذه المشاريع بما تجودُ به نفسهُ، فكان يحرص على المساهمة بتوفير المراتب والبطانيات والمخدات في جمعية تاروت لفترة طويلة.
ونالت المساجد والحسينيات كذلك النصيب الأكبر من دعمهِ المادي والمعنوي بتنجيد المساند فيهما، ومن اللافت كثيرًا في عملهِ الاجتماعي تقديم المساعدات لبعض الأيتام والعوائل المحتاجة في المنطقة، إضافةً لاصطحابهِ بعض الناس المحتاجة للعلاج في الهند في سنوات رحلاتهِ التجارية للهند.


error: المحتوي محمي