كنا مجتمعين.. وكان البحث يدور في شتى شؤون الحياة.. وفي مثل هذه الاجتماعات يكثر النقد وتتوارد التعليقات وتتابع الاقتراحات، وتدور الأفكار.. ولا يحلو الحديث إلا بلمسة متفائلة، تضفي جواً مريحاً، يقدم فيها كوب من الشاي يعين المرء على تحمل هكذا لقاءات..
هل أنت من عشاق الشاي؟ هل تحرص على تواجده دوماً؟ هل قررت ذات يوم أن تقلع تماماً عن تناوله؟ ولكن ماذا قالت الدراسات عن سلبياته وإيجابياته؟
بداية وقبل أن نذكر التأثيرات الصحية لا بد من التأكيد أن الشاي أكثر المشروبات انتشاراً في أقطار الأرض يتناوله الناس في كل الأوقات، عند استيقاظهم من النوم وفي ساعات مختلفة من الليل والنهار، وفي العالم تقاليد وعادات ومسميات وأنواع وطرائق كثيرة لشربه وفن إعداده، فهو مشروب رائع يتمتع بشعبية واسعة وخاصية مدهشة، وفي منطقتنا الخليحية بالذات له تقاليد وعادات ومظاهر اجتماعية بارزة، يُقدّم في الجلسات العائلية وللضيوف والمجالس الأهلية والمناسبات الاجتماعية، والمقاهي الشعبية وغيرها.
وبشكل عام، يمكن القول بأن الشاي له سمة مزاجية كالهدوء والتأمل والتفكر والاسترخاء، والشعوب التي تكثر من شربه، نجدها تضيف لمسات جذابة لهذا المشروب، فيضعون له نكهات مميزة تكسبه طعمًا ومذاقًا ورائحة طيبة، مثل النعناع والحبق والميرامية. تغري باحتساء أكبر كمية ممكنة منه، وبعد فترة لا تستطيع الاستغناء عنه، فالرائحة العطرية المنعشة تدعوك إلى ارتشافه بتلذذ.
هناك لغط دائر حول هذا المشروب، ولعل شاربه يرى فيه الموروث الذي يضم خبراته ومزاجه ونمط حياته، وبه يلاقي الأحبة والضيوف، وفي حضرته يسترخي ليفكر ويتأمل ويتكلم.. وكلما ارتشف كوباً من شاي قال: هل من مزيد؟
بداية.. يحسن بنا أن نقدم للقارئ الكريم تعريفاً للشاي وأنواعه المتداولة حسب ما جاء في المواصفتين (GSO 978 /2013) (GSO ISO 11287: 2013)
• الشاي: هو ذلك المنتج بالمعاملات التصنيعية المعتادة المقبولة المشتق فقط وبالتحديد من الأوراق والبراعم والفريعات الغضة وشبه الغضة لمختلف أجناس نبات كاميليا ساينينسيز، ويشمل المعد للاستهلاك كمشروب الأنواع التالية:
• الشاي الأسود: شاي يتم إعداده بتعريض البراعم، والأوراق، والأعناق لعمليات التخمر والأكسدة والتجفيف والتي ينتج عنها تغير اللون إلى اللون الأسود.
• شاي أخضر: شاي مستخرج فقط وحصرياً، ومنتج من العمليات المقبولة الخاصة من تعطيل الإنزيم واللف الشائع والسحق متبوعة بالتجفيف من الأوراق الناعمة، والبراعم، للنباتات المختلفة من الأجناس Camellia sinensis (L.) O .Kountze والمعروفة لمناسبتها لصنع الشاي للاستهلاك كمشروب.
المبدأ الأساس في تحضير المشروب هو واحد أينما كان في العالم، ويقوم على صب الماء المغلي على الشاي لاستخلاص ما فيه من مواد ونكهة، وإضافة ما يشاؤه المستهلك من عطور ومواد تحلية.
أما التفاصيل فتتضمن بعض الزخارف واللمسات التي لا بد من أخذها بالحسبان فجودة مشروب الشاي ترتبط بالوقت الذي يستغرقه نقعه في الماء الساخن ويطلق عليه "شاي مخدر" وتبدأ الاختلافات في طرائق شربه والأجواء المحيطة به، وصولاً إلى المذاق والأذواق التي تعتمد على المزاج والنكهات العطرية، وينتهي الأمر بالطابع المميز لأدوات التحضير والتقديم مثل القوري، والسماور، والإستكانة وصحنه الزجاجي، والخاشوكة لتذويب السكر، وشكردان لحفظ السكر، وكوب البورسلين.
يوجد اليوم مئات الأصناف من نبات الشاي تنتمي إلى أكثر من ثلاثين جنساً يجمع بينها وجود مادة الكافيين والمركبات الفينولية العديدة وبعض الزيوت الأساسية، وحول هذه المركبات دارت الأبحاث العلمية التي وضعت الإفراط في تناول الشاي ضمن المواد الضارة صحياً فمن ذلك:
• احتواء الشاي على الكافيين وتصل نسبته لنحو 2.5% إلى 4.5% من وزن الشاي الجاف، وتفترض بعض الدراسات أن الإفراط في تناول الكافيين له تأثير على رفع ضغط الدم وربما احتمال الإصابة بسرطان المثانة، وبالتأكيد أن تلك الدراسات تتكلم دائماً عن الإفراط والكميات الكبيرة من الكافيين، والشرب المعتدل للشاي لا يدخل ضمن هذه التحذيرات.
• وجود بعض المواد الكيميائية في الشاي له دور في منع امتصاص الحديد من الطعام المهضوم، لذا ينصح بتفادي شربه أثناء الطعام أو بعده مباشرة، بل يفضل أن يقتصر على شربه بين الوجبات وخاصة الحوامل أو من يعانون فقر الدم.
• وجود بعض المواد القابضة التي تسبب تقلصات وآلاماً في المعدة عند الذين يداومون على شربه وبطونهم خاوية من الطعام، ورغم أن هذه الحقيقة لم تحظ بدراسات عميقة إلا أنه ينصح بعدم المداومة على عادة شرب الشاي قبل الإفطار.
رغم هذه الملاحظات حول الشاي وأضراره إلا أن هناك فريقاً يدافع عنه بأخذ النصائح التي تبعد الإنسان عن الوقوع في المحاذير، وهي عدم الإفراط في شربه وعدم شربه مع الطعام أو بعده مباشرة، وعدم التعود على تناوله قبل الإفطار، وهم يعتقدون أن للشاي فوائد فهو بجانب أنه مادة منشطة فله تميز باحتوائه على المركبات التي تسمى "الفلافينويدات" وهذه المركبات هي مركبات نباتية يوجد منها 400 نوع منتشرة في بعض الخضار والفواكه والشاي، ويتميز الشاي باحتوائه على أشهر ثلاثة أنواع منها.
وتفترض بعض الدراسات أن هذه الفلافينويدات الموجودة في الشاي تعمل على الوقاية من تصلب الشرايين وأمراض القلب التاجية؛ وذلك بمنعها أكسدة الشحوم البروتينية منخفظة الكثافة "LDL" وبعملها هذا تقطع سلسلة خطوات أمراض تصلب الشرايين، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الشاي يعتبر أعلى وأفضل مصدر غذائي يحتوي على الفلور المهم للأسنان.
في عصرنا هذا، شكلت أوراق الشاي المشروب المفضل في العديد من أقطار الأرض، والطابع المميز لهذا المشروب هو اختلاف طرائق تصنيعه وتعبئته، نراه يباع على هيئة أوراق خضراء مجففة " فرط"، يستطيع المستهلك أن يتناوله بعد غليه في الماء، عرفه أهل الصين في تلك الصورة الطبيعية كمنبه وملطف للمزاج ومطهّر، وهي الصورة التي لاتزال باقية حتى الآن في موطنه الأول، فالعالم لم يعرف شيئاً عن أسرار الشاي، وعن ذلك الغموض إلا في العصور المتأخرة، حيث استخدم في بادئ الأمر علاجاً كبقية الأعشاب الأخرى، فإن كوباً من هذا الشاي يعين المرء على تحمل الأنشطة الحياتية القاسية ويحميه من بعض الأمراض المستعصية.
وهناك الشاي الأخضر الذي يتجه إلى المعالجات التصنيعية كالتجفيف والتحميص الفوري دون تخمير، يطلق عليه "الذهب الأخضر".
والصنف الثالث يمر بعملية التخمير قبل تجفيفه وتحميصه لإنتاج الشاي الأسود، وقد يفضله البعض منكهاً بالروائح العطرية المنعشة مثل نكهة البرغموت.
وريقات الشاي الغضة الخضراء تحتوي على إنزيمات، تفعل فعلها إذا ما تخمرت، فتفقد خصائصها الطبيعية من لون وطعم ونكهة، وكذلك خصائصها العلاجية.
وإذا لم تمر الوريقات الغضة الخضراء لمرحلة التخمر، تظل خضراء اللون، وتحافظ على صبغة الكلوروفيل، وهو ما يسمى "الشاي الأخضر".
أما إذا خمرت وجفت فإن لونها الأخضر يتحول إلى أصفر ثم إلى أحمر قاتم مائل للسواد، وبذلك يفقد الشاي خصائصه الطبيعية وعناصره الصحية.
بينت البحوث والدراسات احتواء أوراق الشاي الغضة أو المجففة قبل التخمير على أبرز مضادات الأكسدة المعروفة وهي الفلافينويدات "Flavondoids" ومن أهمها الكاتشنات" "Catechines " التي تمنع تشكل النتروزامينات المسرطنة.
فالتحليل الإنزيمي الذي يحدث أثناء مرحلة تخمير الشاي يتسبب في تحليل المواد الفعالة وتكسيرها مما يؤدي إلى تلفها وعدم الاستفادة منها؛ إضافة إلى إمكانية تعرض الشاي للملوثات والمتبقيات الضارة بالصحة.
وحرصاً من الهيئة العامة للغذاء والدواء على سلامة ومأمونية الغذاء، كلفت المختبرات التابعة لها بإجراء الفحوصات المخبرية على الشاي كيميائياً وجرثومياً للتأكد من صلاحيته، وآخر النتائج المخبرية في هذا المضمار هو احتواء الشاي الأسود الوارد من الهند على بقايا مبيد Acetamiprid بتركيزات لا تتجاوز (0.106 mg /kg )، وبعد التواصل مع الهيئات الدولية ذات العلاقة حول سمية هذا المبيد مدار البحث تبين أن ذلك التركيز لا يشكل ضرراً على صحة المستهلك وذلك بحسب المتناول اليومي الآمن وبحسب تقييم التعرض لهذا المبيد عن طريق استهلاك الشاي، وعلى ضوء ذلك فكثير من أصناف الشاي تجتاز الفحوصات المخبرية المطلوبة.
التعود على أمور بسيطة في حياتنا الغذائية قد يسبب لنا مشكلات صحية صعبة! منطقتنا تعاني من أمراض دم وراثية، وفقر الدم، وسوء تغذية، ولكي تساعد مريضًا يعاني من هكذا مشاكل، تنصحه بتناول الأغذية الغنية بالحديد، والابتعاد عن الأغذية التي تمنع امتصاصه كشرب الشاي والقهوة.
وختاماً، تعتبر جلسات الشاي جلسات احتفال، الوقت يلعب دوراً أساساً فيها، واللافت فيه الرائحة العطرية التي تفوح من إبريق الشاي، وتضفي على تلك الجلسات التقليدية جوّاً خاصاً، أما اليوم فتغيرت الأحوال رأينا كيف أن أكياس الشاي ألغت تلك الجلسات وحشدت أوراق الشاي في مكان ضيق لا تتمكن من التمدد والانصهار مع الماء، هذا عدا أن نوعية الشاي في الكيس "تي باك" أصبحت أقل جودة إلا أنها تعكس نمط الحياة السريعة التي آلت إليها البشرية.
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.



