12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من الجش.. آل ضاحي يسير 150 رحلة في الـ18.. وفرحة غير المستطيعين تنسيه قلة المكسب

جمعَ الأطفال في مسجد "السدرة" بالجش، وهو لا يزال طالبًا في الصف الثاني المتوسط؛ ليجعل منهُ مكانًا خاصًا لتعليم الصلاة، بمبلغٍ بسيط لا يتعدّى الـ50 ريالًا، ليتجاوز ذلك بدوراتٍ تدريبية يفقّههُم فيها في عددٍ من المسائل الفقهية التي تلائم أعمارهم، وعلى استحياءٍ وترددٍّ أيضًا أصبح يشاركُ في مجالس العزاء، ومحافل الموالد الشريفة بالبلدة، ومع الوقت تملّكهُ حبّ العمل وعدم الرغبة في البقاء عاطلًا.
امتلأت نفسهُ بطعم الحماس، وقررّ الالتحاق بالحملات المتوجهة للمدينة المنورة في الإجازات للعملِ كادرًا فيها، يحملُ الشنط ويخدم الزوار، وكانت عينُ الصبي محمد جعفر آل ضاحي تراقبُ بدقةٍ تحرّكات الحملة كاملةً، وما تتطلّبهُ، وما يضمنُ نجاحَها مع الزوار، وبعد عامين ونصف العام من العمل كادرًا، تمكّنَ بكلِّ خطىً واثقة أن يفتتح مشروعهُ الخاص، ويعلن عن حملتهِ "قافلة ريحان الحرم" وسط مباركة وتشجيع والديهِ له.
تعليم الصلاة
أحبّ "آل ضاحي"، المنحدر من منطقة الجش، تعليم الصغار للصلاة باكرًا من عمره، فلم يكد يبلغ الثالثة عشرة، حتى وجد في مسجد "السدرة" والمعروف بمسجد "الشيخ عبد الوهاب" ملاذًا ومكانًا هادئًا وروحيًا لتعليم الأولاد الوضوء والصلاة في ساعةٍ ونصف الساعة من الزمن، في الوقت الذي كان أقرانهُ يلعبون ويستمتعون بوقتهم، فقد كانت والدتهُ تهتمّ بصلاتهِ وإلحاقهِ بالدورات الدينية منذُ أن كان صبيًا صغيرًا.
اقتنعَ بمبلغ الـ50 ريالًا التي يستلمها من الصغار بعد انتهائهم من حفظ الصلاة جيدًا، حتى فكّر بعدها في إلحاقهم بدوراتٍ تدريبية مصغّرة للتفقه في المسائل البسيطة المناسبة لسنهم، إضافةً لتعلّم الحروف الإنجليزية، وخارج تلك الدائرة بدأ شيئًا فشيئًا في المشاركة في قراءة الموالد الشريفة، وإحياء المآتم.
كادر
وحول رحلتهِ المبكرة في العمل، تحدّث "آل ضاحي" لـ«القطيف اليوم» قائلًا: "عشقتُ العمل منذُ صغري، واستهوتني مساعدة الآخرين، فلم أجد خيرًا من الالتحاق بحملات القطيف المتجهة للمدينة المنورة في مواسم الإجازات، وقد كنتُ حينها في الصف الثاني المتوسط، حيثُ عملتُ كادرًا في هذهِ الحملات، وتعاملتُ تقريبًا مع5 حملاتٍ منها".
وأضاف: "تدرّجتُ في عملي كادرًا، فاشتغلتُ بدايةً بحمل الشنط والقراءة للزوار، ثم ترتيب الباصات، فتسيير الباصات، حتى التسكين، وقد كنتُ أتقاضى حينها مبلغ 50 ريالًا عن اليوم الواحد، ليرتفع بعد ذلك إلى 100 ريالٍ".
وأردف: "علمّني العملُ كادرًا في الحملات الصبر والحلم، وكنتُ يقظًا وملاحظًا لكلّ الأمور من حولي، وبعد مرور عامين ونصف على عملي فيها، ومعرفتي بكلّ شيء قررتُ بكلّ حماسٍ وثقة أن يكون لي مشروعي الخاص بتكوين حملة للزيارات خاصة بي، ومن الفكرة تولّد العمل، فكانت حملة "قافلة ريحان الحرم".
مواسم
عرضَ "آل ضاحي" الحملةِ على أسرتهِ التي وافقت وباركت لهُ هذهِ الخطوة ودعمتهُ بكلّ قوة، بشرط اهتمامهِ بدراسته، ولكونهِ من الطلاب المتفوقين، فلم يشغلهُ هذا الشرط مطلقًا، خاصةً أنّ الرحلات ستكونُ في الإجازات.
استعدَّ لإنشاء الحملة بتصميم الشعار الخاص بالحملة، والاتفاق مع الباص المناسب للخروج معهُ في كلّ موسم، لمدة سنة أو ستة أشهر بحسب الاتفاق.
الأحساء
بدأ حملتهُ بتسيير رحلات للأحساء والجبيل، بعد أن قام بأكثر من رحلة استكشافية للمنطقة والتعرّف على الأماكن السياحية فيها التي اعتمدها فيما بعد؛ كحديقة الحيوانات، ومصنع الدبس، ومصنع الفخار، وجبل قارة، والمنتجعات، بمبلغِ25 ريالًا للفرد الواحد، حتى وصل إلى مبلغ40 ريالًا، لينخفض لـ35 ريالًا، مع عروض المواسم، والعروض الخاصة بالحملة.
قرّر بعدها العزم على التوجه برحلاتهِ للمدينة المنورة، ثمّ الكويت، وبعدها صلالة، وجدة، وقد ساعدتهُ أسرتهُ في رحلاتهِ تلك، بل كان يعتمدُ على أمهِ وأبيهِ وإخوته في مرافقة السياح للأحساء والجبيل، بعد أن أصبحَ لديهم الإلمام الكافي نتيجةً لمرافقتهم إيّاه في هذهِ الرحلات.
ووفقهُ الله تعالى في رحلات الأحساء، فكان في المواسم يسيّرُ ما بين الـ6 إلى الـ7 باصات في اليوم، بـ49 فردًا في الباص الواحد.
رحلات المدينة
استطاع "آل ضاحي" بحبّهِ للعمل، وإيمانهِ باليد العاملة المباركة، وبكل ما اكتسبهُ من خبرات، أن يسيّر رحلات قافلتهِ للمدينة المنورة، معتمدًا على ذاتهِ فحسب، وبالاتفاق مع أصحاب الباصات التي اتفق معها، ومقاسمة سعر الرحلة والسكن معهم بحسب المواسم والإيجارات، وهو يعتمدُ على نفسهِ كقائد وكادر للحملة إن كان المُيسّر باصًا واحدًا، وبالاتفاق مع كوادر غيره إن كان عدد الباصات أكثر من واحد.
وفكّر قبل عامٍ في تسيير رحلات لمكة المكرمة للعمرة الرجبية في موسمها، وانضمّ إليهِ الشيخ سعيد البندري كمرشدٍ ديني للحملة، لحاجة المعتمرين للإرشاد في العمرة.
وكسبَ ثقة الكثير ممّن التحقوا بحملتهِ، خاصة النساء اللواتي يتطلبن حُسن المعاملة والتفهّم، وامتصاص الغضب إن حصل موقفٌ طارئ.
مكتب سياحي
وعن حلمهِ الخاص في هذا المجال يقول: "يستنكرُ البعض عليّ قيمة رحلاتي للأحساء والجبيل وغيرها أيضًا، لكنّني على رضا وقناعة بأنّ مدخولها نعمة علي، وما يراهُ الآخرون مبلغًا بسيطًا، فهو عند الفئة الفقيرة والبسيطة بابًا للترفيه والزيارة، التي يحصلُ عليها الغني متى شاء وأنّى شاء".
ويضيف: "منذُ عامين فقط خطرت لي فكرة الاستقلال بعملي والإعلان عن حملتي الخاصة، واستطعتُ وأنا بعمر الـ18 وخلال هذه المدة، أن أسيّر بنفسي 150 رحلةً ما بين المدينة، ومكة، والجبيل، والأحساء، والكويت، وعمان، وجدة".
ويكمل: "الآن، يلحُّ على عقلي كثيرًا بعد أن تخرّجتُ هذا العام في المرحلة الثانوية، أن أكمل رحلتي العلمية في رحاب الجامعة، وأن أفتحَ لي مكتبًا سياحيًا خاصًا، وأطوّرهُ ليكون محلّ إعجاب الناس وثقتهم".


error: المحتوي محمي