دعا الشيخ محسن بن علي المعلّم إلى التقييم الدقيق في إعطاء العبارات والرُتب والألقاب إلى أصحابها؛ لتقع في محلّها الحقيقي، مُشيرًا إلى أنّ الألقاب في عصرنا رخُصت وهزُلت، حتى اكتسبها المفلسون وغيرهم.
جاء ذلك خلال استضافتهِ على منصة إنستجرام المدّرب محمد الخنيزي؛ للحديث حول شخصية وحياة الحجة العلامة الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي الملقّب بالفاضل القطيفي، وذلك في ثالث حلقات سلسلة" قُل كيف عاش".
ولادتهُ الطيبة
نفى الشيخ المعلّم أن يكون هناك تاريخ محدّد مذكور لولادة العلامة القطيفي استقاهُ أثناء كتابتهِ لسيرتهِ في كتابهِ "ترجمة الشيخ إبراهيم القطيفي"، وهي أول شخصية تناول ترجمتها والحديث عنها، إلا أنّهُ وبالرجوع إلى تاريخ ورودهِ لنجف العراق الذي كان في سنة 913ھ، أي في أوائل القرن العاشر، فمن المحتمل أن يكون عمرهُ حينها 30 عامًا أو قريبًا من ذلك، كونهُ لم يقدِمْ للنجف إلا وهو عالمٌ جليل.
وقال: "وعلى هذا من المُحتمل أن يكون من مواليد عام 885 هـ، والشاهد على ذلك إجازاتهُ للروايات لغيرهِ من العلماء لأول مرة في عام 915هـ، وهذهِ الإجازات تدلُّ على كونهِ عالمًا معروفًا ومشهورًا حينها، وهذا التحديد لتاريخ الولادة على وجه التقريب لا التحقيق والدقة".
المسميّات
وذكرَ الشيخ المعلّم أنّ تسمية الحجة القطيفي بالبحراني ليسَ بالأمر المُستغرب، فمنذُ ذلك الوقت وإلى الآن يسمّي مترجمو العراق وإيران جميع المنطقة بالبحرين وعليهِ ينسبونه إليها، ولا يأتي التمييز لمنطقةٍ إلا أن أرادوا ذلك، فالتسمية لهُ بالبحراني بالإطار العام، فكلّ قطيفي أو أحسائي فهو بحراني، أمّا تسميتهُ بالنجفي أو الحلّي، فذلك يرجعُ إلى حياتهِ هناك وإلى المناطق التي مرّ بها، وأثراها بدورهِ العلمي، أو مدرستهِ العلمية، فهو بالأصالة قطيفي المولد والمنشأ، ونجفي المسكن والوفاة.
وفاته
وأوضح الشيخ المعلّم أنهُ كما اختلف في مولدهِ اختلف كذلك في تاريخ وفاته، لكنّهُ من الخطأ المؤكد أن تكون وفاته عام 942ھ أو ما دون ذلك، فقد ذُكرت له مؤلفات ألفها في عام 950 ھ، مما يثبت وفاته بعد هذا التاريخ، وكما كانت تلك التواريخ غامضة وغير مؤكدة، فكذلك عمرهُ حين الوفاة بقي مجهولًا كذلك.
النجف
وأضاف أنّهُ أُجيزَ في النجف الأشرف من قِبل أستاذهِ الجليل الشيخ علي بن هلال الجزائري كما يُذكر، وكان يروي عنهُ مباشرةً أو بالواسطة كما يُعبّر عنه بالاصطلاح، وبهذا يكون الشيخ علي الكركري معاصرهُ ومصارعه، فكلاهما من تلاميذ الجزائري.
ونوّه إلى إجازتهِ كذلك من قِبل الشيخ إبراهيم بن حسن الشهير بالوراق، وكذلك الشيخ محمد بن زاهد النجفي، ولكنّهُ وبحسب ما ذُكِر عنه فإنه لم يصل للنجف إلا وقد انتهى من دراسة الكثير من الكتب العلمية، دون تاريخٍ دقيق لمكان دراستهِ وأساتذتهِ في القطيف، أو ما قرأهُ ودرسهُ عند علماء وأعلام النجف.
الحياة العلمية
وأوضحَ الشيخ المعلّم أنّ بروز مكانة الحجة القطيفي واسمهُ في تلك الفترة، مع تلك المحاضرات العلمية، ووجود الأعلام الكبار الذين كانوا يملؤون الساحةَ العلمية حينها، دليلٌ على رسوخ قدمهِ في العلم، فقد كانت الحياة العلمية عامرةً في حوزاتها، وكانت مدنٌ كالحلّة والنجف محطا للعلم والمعرفة.
قالوا عنه
وعدّدَ الشيخ المعلّم الألقاب التي أُسبِغت على العلامة القطيفي ومنها؛ الفقيه، والفقيه العظيم، والفاضل، والكامل، والمدقّق، والعالم، والإمام أيضًا، والعجيب أنّ هذا اللقب الأخير أسدلهُ عليهِ حتى منتقدوهُ في النقد العلمي في المسائل الخلافية التي كانت قائمة بينهُ وبين المحقّق الشيخ علي الكركي، ومنهم الشيخ يوسف البحراني المعروف بصاحب الحدائق في ترجمتهِ له، كما عبّر عنه الشيخ المجلسي بأنّهُ من فقهاء عصره.
واستشهدَ على مكانتهِ العلمية، وشهادة الألقاب بحقّه، بأنّ ما حصلَ من ردود متبادلة بينهُ وبين المحقّق الكركي بمؤلفاتٍ فيما جرى بينهما من خلاف، دليلٌ على اعتناء الشيخ علي الكركي بالشيخ القطيفي؛ لمكانتهِ العلمية وشأنهِ في العلم، كما أنّ الكتب الفقهية العلمية الخالدة كانت تستشهدُ بآرائه؛ كالشيخ الأنصاري، والشيخ النجفي صاحب كتاب الجواهر.
مزارٌ
وذكرَ أنّ المعروف تاريخيًا أنّ الفاضل القطيفي مات في "النجف"، ودُفنَ فيها، وهناك قسمٌ آخر من المؤرخين قال بدفنهِ في" الجزائر"، وهي منطقة من مناطق العراق، وهناك رأيٌ آخر منسجم مع تعبير" الحلّي" بأنّهُ عاشَ في الحلة ودُفِن بها، وهناك من العلماء من قال: لا تنافٍ بين أن يموت في منطقة الجزائر ويُدفن في النجف.
مؤلفاته
وأكدَّ الشيخ المعلّم أنّ حياة الفاضل القطيفي كانت تدور في فلك العلم، وحتّى صراعاتهُ كانت علمية أيضًا، فقد أجال فكرهُ الحصيف وقلمهُ الشريف في ميادين علمية كثيرة، وكانَ الطابع العام الغالب هي المجالات الفقهية؛ كالرسائل العلمية المستقلة، وشروح الكتب العلمية، والتعليقات، والحواشي، والردود.
وأعقبَ: "من اللافت للنظر أنّ أغلب هذهِ الكتب والمؤلفات موجودة بالمكتبات رغم مرور ما يزيد على 400 عام على تأليفها، وقد بلغ عدد كنوزهِ ومؤلفاته التي أُحصيت 26 مؤلفًا، منها كتابه المعروف "الوافية في تعيين الفرقة الناجية"، وكتاب "شرح الأسماء الحُسنى"، وغيرها.
وتابع: "طُبِعت له جملة من رسائلهِ بعنوان "رسائل الفاضل القطيفي" وبعضٌ من مؤلفاته في أربعة أجزاء من قبل "مؤسسة طيبة لإحياء التراث" بهمّة بعض الأفاضل، وكان القائم عليها الشيخ ضياء سنبل".
تلامذتهُ
واسترسل بالحديث عن تلامذته، الذين هم كثيرون، ومن جملتهم من استجازهُم في الرواية، ومنهم؛ الأمير نعمة الله الحلّي، ووالد صاحب "إحقاق الحق" الشهيد التوستري.
ولهُ أيضًا الكثير من الإجازات لأفاضل تلامذة عصرهِ وزمانه، كما ذكر ذلك عددٌ من العلماء والمحققين.
منارات شاهقة
وختم الشيخ المعلم حديثهُ بما تصدّر بهِ الحديث، من كوننا ورّاث العلم لا صنّاعهُ، فقد ورثنا ما صنعهُ آباؤنا، وعلينا أن نبني كما بنوا، مع الابتعاد عن تقمُّص الصراعات والنزاعات، وألا يخوض في المسائل العلمية ويتصدّى لها إلا رجالها ومن يملكون سلاح العلم والمعرفة، ولغة الحوار التي كانت متبادلة آنذاك والمصطبغة بلباس الشدة والتهجُّم ينبغي ألا تعود من جديد، منوّهًا لضرورة تبجيل العلماء وتقديرهم الذين حفظوا الدين والمعتقد، وبقوا منارات شاهقة بعلمهم ليومنا هذا.



