12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

وجوه لا تنسى.. الأمّي الذي كتب للمنبر الحسيني «أبو الفقراء» الحاج أحمد العوى

دق الباب استلمت ظرفًا! من المرسل؟! مجاهد في سبيل الله، كانت رسالة إلى أبي حفظه الله، أذكر ملامح ذاك الرجل كان بشوش الوجه علامة الوقار بائنة عليه، ربت على كتفي ورحل بعدما علم أن الوالد نائم "قيلولة"، سألت الوالد من يكون هذا الرجل الذي ملامحه لون طين أرض القطيف؟! رد متنهدًا لعدم لقياه: إنه الحاج الأديب  أحمد العوى.
هذه أول وآخر مرة أراه فيها ولكن ثبت في الذاكرة لأن هؤلاء لا يمكن نسيانهم، كان بداخل الظرف أبيات قصيدة جديدة نظمها في حب آل البيت، ودائمًا وأبدا يراسل رجال العلم وخاصة الخطباء لقراءة قصائده فوق المنابر الحسينية.
هو الحاج أحمد بن ملا عبدالله بن محمد بن سلمان بن الشيخ محمد بن حسين بن الشيخ عبدالله بن الشيخ علي بن محمد بن علي بن درويش البحراني البحاري الحريفي الخطي القطيفي المشهور بالعوى، ومولده صادف ميلاد الحسين عليه السلام، حيث ولد في البحاري عام 1341/8/3هـ، البلدة التي تقع بمحافظة القطيف وتبعد قرابة الثلاثة كيلو مترات من حاضرة القطيف "القلعة" تلك البلد التي تشتهر بوجود مسجد الشيخ عزيز وللشيخ الفاضل العالم كرامات وقصة لا مجال لذكرها الآن، وكما تشتهر البحاري بطيبة أهلها وكرمهم وأريحية جوارهم فقد عرفناهم بقرب القديح منهم، وأيضا تشتهر بالأزقة "الزرانيق" ومازالت هناك تلك الطلة التي تشعرك بالماضي الجميل.
عاش في كنف والدين كريمين تحليا بالإيمان الذي جعل منه رجلًا مؤمنًر طيب السريرة يرتاد المساجد والحسينيات ومجالسة الفضلاء وأصبح من الرجال البارزين لعمل الخير والتسابق عليه وظهر هذا على شخصيته وحسن أخلاقه وجميل تربيته الصالحة، ولصعوبة ذاك الزمان انخرط في العمل حينما رأى والده يكابد الحياة ليأتي برزق عائلته، فراح يعمل معه بالفلاحة ليتحمل المسؤولية في سن مبكرة يحرث ويزرع ويسقي وكان عمره لا يتجاوز العاشرة حتى سنة (1363هـ) اتجه لصيد الأسماك، حتى سنة (1367هـ) عمل بائع فواكه وخضراوات، حتى سنة (1381هـ) ضم عمله السابق بالحملدارية سفر وزيارة للحرمين الشريفين والعتبات المقدسة، وفي سنة (1393هـ) انزاح للأعمال الحرة.
الحاج العوى من الشخصيات التي يفتخر بها البلد فقد وضع لروحه بصمة لا تنسى بين المكان والإنسان، وحين تتبع حياته فأول إجابة تأتيك خادم العلماء والخطباء ودائمًا وأبدًا يقدم جل وقته وماله لخدمة طلاب العلوم الدينية في حوزة النجف الأشرف وحوزة قم المقدسة، واشتهر بوصف "أبو الفقراء والمحتاجين" فقد عرف عنه تقديم يد العون للشباب وتزويج الضعفاء منهم ومساعدة الأسر المتعففة.
رغم أنه أمّي لا يقرأ ولا يكتب فقد تفوق في نظم الشعر الشعبي والفصيح ويعتبر من ألمع شعراء الحسين عليه السلام بالمنطقة وخاصة القطيف، فقد كيفته البيئة التي احتضنته من أفراد أسرة تواقة لرفع شعائر آل البيت عليهم السلام وهذا ما كان له الدور البارز في تكوين حاسة نظم الشعر، وعلاوة على ما سبق يكمن في المحيط الخاص الذي أحبه وهو مجالسة العلماء والأدباء والشعراء والفضلاء، ومن أبرزهم على الصعيد العربي آية الله السيد محسن الحكيم (1889–1970)، وآية الله السيد أبو القاسم الخوئي (1899- 1992)، وآية الله السيد محمد باقر الصدر (1935- 1980)، وغيرهم من أعلام الدين في قم المقدسة وخاصة العلماء العظام في النجف الأشرف.
أما على الصعيد الإقليمي فأغلب العلماء والخطباء ورجال الدين يعرفونه ومنهم العلامة علي الجشي (1879- 1956)، وملا علي الطويل توفي عام 1434هـ، والعلامة الشيخ فرج العمران (1903- 1978)، والعلامة الشيخ عبد الحميد الخطي (1913-2001) وغيرهم كثير من الأعلام والكتاب، وفي اعتقادي كان هذا الدور الأهم لصقل موهبة الشعر حتى الاحتراف في تكوين الشاعر وعمق أحاسيسه.
كان له دور كبير في حفظ التراث الشعري الولائي حيث عكف على طباعته على نفقته الخاصة لكي لا يندثر ويصبح آثار كاتبيه في طي النسيان وكل هذا خدمة للإسلام والعقيدة، وهذا يدل على نظرته الثاقبة وإيمانه بالعلم والعلماء وتخليد ذكرهم لأنهم دعائم الدين، ومن بين تلك النفائس الثمينة التي تحسب له لعدم ضياعها: (المجموعة الشعرية الكاملة للعلامة الجشي، ديوان الشيخ الدمستاني، ديوان ملا حسن بن ربيع القديحي "الزهور").
الأمي الذي عرف كيف يوظف طاقته لخدمة أهل البيت عليهم السلام بالشعر والقافية العذبة في الشعر النبطي والشعر الفصيح، كيف لرجل ينظم الكلمات التي بالكاد تصعب على المتعلم صفها وتطويعها؟! إلا أن الله راض عليه، هنا اخترت مقتطفًا بسيطًا من مقدمة ديوانه (محرك الأشجان في رثاء أمناء الرحمن - المطبعة الحيدرية في النجف "1962م-1381هـ") إن السبب الوحيد الذي دفعني والباعث الذي حثني على إنشاد القريض وإنشاء الشعر الدارج المختص بمدح آل الرسول (ص) ورثائهم (ع) وأنا أمي صفر الكف من القراءة والكتابة، هو الحب والاعتقاد الممتزجان بلحمي ودمي لهم عليهم السلام، أذ أنني أعتقد أن أفضل القربات إلى الله عز وجل بعد الإخلاص لله تعالى بالتوحيد والعدل والاعتقاد بأصول الدين وفروعه والقيام بالواجبات الشرعية هو التقرب إلى رسول الله (ص) نبي الرحمة بحبه لأهل بيته وبالفرح لفرحهم والحزن لحزنهم وإظهار آثارهم وذكرهم وإحياء أمرهم وإقامة المآتم عليهم، كان عدد صفحات الديوان عندئذ (196) صفحة، وقد أعيدت طباعته بعدما جمع فيه أغلب قصائده ليصل عدد صفحاته (576) صفحة في عام (1997م)، ويمتاز الديوان بمقدمتين لعلمين جليلين (الشيخ فرج العمران، والشيخ علي المرهون) إحداها بالشعر والأخرى بالنثر، وقد أثنيا على الديوان وصاحبه.
أنشد أول أبيات وهو يبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا، من الشعر الشعبي (النبطي) وهي:
هلّ المحرم وأظلمت سبع السماوات
وصارت الصيحة أعلى الذبيح ابجنب الفرات
ظل الشهيد احسين مرمي ابغير تغسيل
راسه على الخطي وجسمه داسته الخيل
أولملاك في سابع سما اتعزي الجبريل
أوصار البكا والنوح في سبع السماوات
وفي نفس السن أنشد الشعر العربي وكانت في رثاء الإمام زين العابدين عليه السلام ومطلعها:
لبس الدين حلة من سواد
يوم قيد السجاد في الأصفاد
بأكف الطغاة من آل سفيان
أساس النفاق أهل العناد
وإليك عزيزي القارئ الرجوع لقراءة الديوان إذا أردت الزيادة، كانت قراءتي لهذه القصائد الولائية المبتدئة بوفاة الإمام علي عليه السلام التي حركت الأشجان في خواطري، وكل قصيدة كان لها واقع التعرف على شجي عَبرة وعبرة عن ذرف دموع الأحزان بأسلوب الشاعر المتعمد أحيانا وأحيانا أخرى قد تكون الأبيات عفوية والعفوية في حد ذاتها سلسلة من دمج الروح مع الأحزان.
فيجدر بنا نحو هؤلاء الشعراء الذين بذلوا حياتهم لخدمة المذهب أن نقف بفخر واعتزاز بإنجازاتهم على هذا المستوى الرفيع من العلم والعمل ويستحق أن يذكر ويشار له ولو بلمحة بسيطة عن حياته وعمره الذي بالإمكان تحويله إلى قصة بطولة أو فيلم سينمائي لكي لا يدفن النسيان ذاكرة هذه الشخصيات الفذة.
جاء نداء الله للحاج المؤمن أحمد بن عبد الله العوى البحاري القطيفي لترفرف روحه في صباح يوم الخميس المصادف 18\11\1420هـ، لخالقها بعد معاناة مع المرض الذي لازمه أكثر من ثلاثة أشهر قضى نصفها بمستشفى القطيف المركزي والأخرى في مستشفى المواساة بمدينة الدمام، وقد شيع تشييعًا يليق بمكانته حيث خرج جمع غفير لتوديعه إلى مثواه الأخير من حسينية العوامي بالقطيف، فرحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه الله فسيح جناته في عليين مع محمد وآل محمد.


error: المحتوي محمي