12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

تنبؤات درامية أم سينما متواطئة.. 41

تنافس المخرجون وتسابق المنتجون، لخوض غمار حرب فيتنام منذ بداية أول طلقة، مروراً بجحيم المعارك وما تلاها من كر وفر، فأنتجت عديد الأفلام من كلا الجانبين أو المتحالفين مع هذا الطرف أو ذاك.
ومن بين هذا التنافس المحموم تبرز أفلام هوليوود، بإنتاجها الضخم والمتنوع، تسرق العيون بخداعها البصري، وهي الواقفة صفاً صفاً مع جنود المارينز في كل سكناته وحركاته وعموم الثكنات، أفلام حرب موجهة لكسب الرهان وبمسميات عدة وبعضها حقق جوائز الأوسكار.
المصفقون بحرارة لهيبة الجنود بردت أناملهم بعد إسدال الستار على الحلم الأمريكي الذي تبخر في "خليج تمكين" وبحر الصين الجنوبي، ودراما التظليل بكل ما أوتيت من بهرجة لم تفلح طوال وقت الاشتعال من تغيير مسار المعركة، فأصحاب الأرض قالوا كلمتهم بالروح والدم، فأخرجوا المحتل ومن معه من الدول المتحالفة عدواناً الذين أرسلوا جنوداً - أستراليا، نيوزلندا، كوريا ج، تايلاند، الفلبين - كلهم عضوا أصابع الندم، وهم يرون هيبة سيدهم تمرغت في الوحل، فانكفأت أفلام الترويج والتهريج مع آخر يوم بإسكات صوت المدافع، لكنها عاودت تسمعنا الأزيز وتحيي رائحة البارود المنبعثة من حرائق النفوس وإلى يومنا هذا.
عيون كاميرات هوليوود في حراك مستمر، دوران في جميع الاتجاهات لرصد واستجلاء وإعادة لما حدث بعد الحرب، واستنطاق لما حصل.
استنفر كتاب السيناريو بإحياء وقائع مأساوية أبصرها العالم وأخرى معتمة لم يرها أحد، وحدهم الجنود الناجون من المحرقة، أدلوا بشهاداتهم بتجرد وبمواربة، ركام أقوال أفضت باعترافات مسكوت عنها مخبأة عبر مذكرات أو يوميات "المحاربين القدامى"، وزحام من كتابات مراسلي المعارك الملتبسة.
كنز قبض عليه كتاب النصوص والمخرجون ونهلوا منه بخلق مشاهد درامية سينمائية حية، أفلام وأفلام أنتجت ولم تزل القريحة عطشى للمزيد، وكأن حرب فيتنام تأبى الرحيل.
عديد الأفلام شاخصة للعيان تقتفي سير المعارك وما جرى من اشتباكات دامية، لحرب لم يزل جرحها نازف، صنفت في ادبيات المؤرخين والصحفيين بالسعير.
وهنا انقسمت السينما بين غالب ومغلوب، واتجهت المتسيدة بصناعة أفلام متواطئة بكثير من التزييف وأخرى قاربت أنصاف الحقيقة، وبرغم حالتي التناقض.

ما أصعب قول كل شيء عن حرب دامت 20 عاماً، أن تلتقط صور الفظاعات لحرب صنفت أبشع حروب القرن العشرين يكاد الأمر يكون صعباً.
فما حدث فيها يفوق الخيال والتصور، جرائم يندى لها جبين الإنسانية، أتت من مدعي الديمقراطية والحرية، الذين صبوا جام غضبهم بلا هوادة ولا رحمة، وقدموا دروساً في منتهى الوحشية على البشر والشجر والحجر وتلويث الهواء والتربة، أتت على أيدي القوات الغازية القادمة من وراء البحار، وقدمت باسم الرب لمحاربة الإلحاد المسيس! وأنزلت كل صنوف الطيش والتهور، وبإفراط بلا حد وإيغال في الإجرام بهستيريا وجنون.
ثمة أفلام هوليوودية تدعي أنها مناهضة للحرب، وأخرى مناصرة لها هكذا تم التصنيف، والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا الأفلام المناهضة للحرب أنتجت بعد وقع الهزيمة المدوية بانسحاب أمريكي مذل من الأراضي الفيتنامية، لماذا لم يرتفع صوتها من قبل، أين المخرج البارع وأين المنتج المتحمس والممثل الموهوب وقت اشتعال النيران واشتداد الأوار، ابعد انطفاء الحرائق يبكي على الدماء المسكوبة، ويكتشف أن الحرب كانت مأساة!
أين الشجاعة وقتها والجنود يرسلون لساحة الوغى عبثاً ويأتون في نعوش طائرة، حرب أسمعت من به صمم عن خسرانها المبين، ولا من مجيب من كاتب نص أو صاحب سيناريو لإعداد فيلم يرسم اعوجاج المنزلق العسكري المنحدر للهواية، هل هو جبن عن تقديم دراما تقول كفى، أم أن العاملين في هوليوود جبنوا أن يخرجوا بفيلم واحد مناهض للحرب، أهو إحساس بالتخويف المبطن، مخافة الاقتصاص ضمن "الحملة المكارثية"، والتي اقتبسها فيما بعد حامي البوابة الشرقية في الثمانينات أثناء حرب الخليج الأولى (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة).
هذا خطاب الزعيم الذي صنف دكتاتوراً، مخطئ من يظن أن دعاة الديمقراطية أفضل حالاً من هذا الزعيق، وها هو الإعلام الأمريكي يصف كل مناهضي حرب فيتنام بالخونة، فتقوم السلطة بعدة تشريعات عرفت بـ(قوانين التآمر والفتنة وقد عززت من قمع المعارضين، إذ سعت تلك التشريعات إلى سحق أية منظمة أو أفراد يعارضون المجهود الحربي)! تلويح بالاقتصاص لكل من تسول له نفسه نقداً أو اعتراضاً، لكن المظاهرات الشعبية ضد الحرب أحدثت دوياً وأزعجت السلطة كثيراً برغم التلويح بالزج في السجون.
ما حال كتاب النصوص مدعي الموضوعية والمخرجين النابهين، هل جبنوا وتمترسوا خلف جدار الصمت، هل كبلهم الخوف أن يقول واحد منهم كلمة؟ حق ؟
هم سلكوا الوهم لتلميع الخطيئة بالتدشين المحرض والموجه لخلق أفلام درامية تدعي البطولات والانتصارات، شغلتهم خطابات أربعة رؤساء - ازينهاور، كندي، جونسون، نيكسون - كلهم لم يفلحوا في تحقيق النصر المنتظر، ورنين عبارات جونسون في إحدى خطبه حرضتهم على أفلام الادعاء: (العدو لم يهزم لكنه يعلم أنه واجه سيده في الميدان، إنه يحاول كسب الوقت أملاً أن تكون إرادة أمتنا لا تجاري إرادته).
جزء من خطاب مسعور ومنفعل، وتقف من خلفه المؤسسة العسكرية لإنتاج سلسة من الأفلام الوثائقية وها هي سلسلة تدعى (كنا جنوداً) وهي تتسابق في تقديم أوهام الشجاعة والبسالة، والتي لا تقل شأناً عن الأفلام الدرامية، حيث تمجيد البطولات الهرقلية وإن باختلافات متباينة حول الاعتراف بقوة الخصم والإشارة دائما لتدميره والتغلب عليه في آن، تسليط ضوء على إبراز الجند في الميدان بقوة بأسهم في انتشال الأبطال الصرعى بين الأدغال الموحشة.
كثيرة هي الأفلام الدعائية التي صورت تمثيلاً في غابات أمريكا وبتمويه بأنها جرت على أرض فيتنام، ومن ضمنها الفيلم الوثائقي (نزهة في الشمس -1965)
Awalk in the sun
وهنا مقطع من التعليق في الجزء الأخير من الفيلم كانت طائرة هليكوبتر من طراز شينوك، طارت في الهواء بعد نقل القتلى في هذه المعركة، تم تحميل الرفاق بمحبة على متن المروحية التي استغرقت رحلة طويلة وصولاً إلى أرض الوطن، حملت الأحبة لأكثر من 350 رجلاً قضوا نحبهم من الكتيبة الثانية 7، كان سلاح الفرسان LZ وألفا من الكتيبة الأولى ولمدة ثلاثة أيام يقاتلون بقوة ويحافظون على القتلى والجرحى، بعد أن تعرضوا لهجوم من قبل قوات العدو الساحقة والمقدر عددهم بأكثر من 1100 مقاتل، هاجم معظمهم LZ، كان القتال على أشده ليلاً تحت الاشعة السينية، اما قتلى العدو فتم سحقهم بالمدفعية والضربات الجوية، حارب الجنود يداً بيد مع بنادق حربية في أماكن قريبة مع غطاء صغير من الهواء ونيران المدفعية الشديدة بسبب التماس مع العدو.
اليوم أي شخص يرغب في زيارة وتذكر هؤلاء الرجال الشجعان الذين ضحوا بحياتهم في معركة "وادي صراخ النفوس"، يمكن أن يزور أسماءهم المحفورة في النصب التذكاري لحرب فيتنام في دي سي واشنطن!
هذا فيلم قيل عنه وثائقي، لقد أعيد تمثيل أحداثه بصورة واقعية مباشرة أثناء حرب فيتنام المشتعلة على كل الجبهات.
إنه فيلم من ضمن سلسة أفلام دعائية أمريكية كثيرة ومن بينها:
1- قصص فيتنام "مجموعة أجزاء"
2- فصيل اندرسون 3-هجوم دي كانيون
4- العمل في فيتنام
5-فيتنام قصة الجندي، الوثيقة. المجلد 4 - حرب السماوات.
6- ساحة معركة فيتنام -P9 المعركة في السماء.
7-الموظفون.
هذه عينة من مئات الأفلام الترويجية أنتجت أثناء اشتداد المعارك لرفع معنويات الجنود وتمجيد الساسة وإعطاء صورة مثلى في وجه المنتقدين المحسوبين ضمن الصحافة المستقلة المعترضة على الحرب.
إنتاجات أفلام مزيفة لكبح الأصوات المتأرجحة على وقع المظاهرات التي تجوب شوارع أمريكا المنددة بحرب فيتنام، هؤلاء لم يسمع لهم صوت في فيلم منصف.
لا يهم أن يكون الشعب في وادٍ طالما القابضين على الزناد بيدهم الأمر.
كم هائل أنتج ضمن سلسلة من الأفلام "كنا جنود" وهي فصول من التاريخ العسكري الأمريكي، ممولة من البنتاجون، دعماً للمجهود الحربي.
يقول الروائي الإنجليزي جورج أورويل: (لغة السياسة تم تصميمها لتجعل الكذب صادقاً والقتل محترماً)!
والسؤال الحائر؛ هل أضاع التنبؤ عقول صناع هوليوود في هذه الحرب تحديداً؟ وهم الذين طالما فاجأونا بما سيحصل لاحقاً، هل كانت عقدة حرب فيتنام شلت قدرات التنبؤ بما ستؤول إليه الحرب من هزيمة نكراء؟ أبعد أن انجلت الغبرة أتت الفكرة للقول بأن الحرب كانت خاطئة؟


error: المحتوي محمي