12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

العزلة واختراع الفضاء

إن أي مقاربة لمفردة "العزلة" ومرحلتها لا بد أن تأتي من السؤال المركزي الذي تطرحه، ودون الإجابة عنه؛ ستبدو أي مقاربة عبثيةً ولا جدوى من ورائها، فالعزلة تطرح سؤالاً كبيراً حول "الحرية"، إذ أن الأفراد اتجهوا للابتعاد عن بعضهم البعض والبقاء بداخل منازلهم أو مقار عملهم.
هكذا المبدع أيضاً فهو اتجه للبقاء بداخل إبداعه والمكث على تطوير تجربته والاستفادة من الفراغ الكبير الذي أحدثه سبب الابتعاد، فالسؤال لديه ربما لا يظهر على السطح وإنما في الأعماق وبداخل اللاوعي وعليه ينبني إنتاجه، إذن فسؤال الحرية هو السؤال المركزي والأهم.
لا يمكن لأي باحث حول العزلة أن يزيح السؤال ولا يتطرق إليه، وهكذا حصل خلال سنوات الأزمات السابقة سواء أوقات انتشار وباء الأنفلونزا الإسبانية بداية القرن الفائت أو مرض الطاعون الذي أصاب مصر إبان حكم الأمويين، فالحال هو الحال ولا يتغير.
أما عن مفاعيل العزلة وعلاقتها بالحرية، فلا يُطرح السؤال بوجهته الفلسفية بل بوجهته الإبداعية والتطويرية، فما الذي فقده المبدع؟ وما الذي استفاده؟ وهنا تأتي العلاقة مع الكتابة أو الفن الذي برع فيه، فهو حين فقد حريته الخارجية؛ سعى لممارستها داخليًا حيث استجاب للمؤثرات القاهرة.
يقوم المبدع بالبحث عن ذاته وإعادة تكوينها من خلال الظروف المؤثرة والقاهرة، ولا يكتفي بالمنجز السابق الذي انتهى إليه، بل يضيف بعداً غائباً وغير مُفكَّر فيه وهو بعد الذات الحرة والمنطلقة لبناء ورسم عوالم داخل الأنا، وهي مهمة صعبة وقد لا تبدو واضحة أو مفهومة لديه؛ بسبب عدم رسوخها داخل الوعي بل داخل اللاوعي.
لنمثل على الحرية الداخلية بدائرة مضاءة بينما الحرية الخارجية بدائرة معتمة، فانعكاس الخارج على الداخل قليل ولا يكاد يظهر بينما إشعاع الداخل يلامس الخارج ويؤثر فيه، وهو ما يقربنا أكثر من فكرة المثال لدى أفلاطون حيث إن العالم قسمان سماوي مثالي ولا يتغير وأرضي شبيه ومنسوخ عن أصل سماوي ويقع فيه التغيير.
السماوي هو الأصل بينما الأرضي مجرد تقليد ومحاكاة للأصل، وهنا سنختلف عن فكرة المثال عبر إخفاء النموذج الأصل أو السماوي وترك المبدع دون عينين ليرى بهما ويستلهم إبداعه، وستحدث مشكلة لا محالة، حيث فقدان المثال يقود إلى إبداع أشياء أو أدب لا يتطابق مع المنصوص عليه أو المتعارف.
لهذا فكل مبدع ستختلف نظرته إلى الأمور وسيرى بعينين مختلفتين أو عين ثالثة متوارية ومختبئة ولم يكتشفها سابقاً، وهي عين العقل أو استنارته والوصول عبرها لما يريد، حيث سيتمكن بواسطتها من إعادة رسم وتشكيل عالمه الداخلي وفق احتياجاته ومتطلباته الجديدة والحادثة.
هنا سنرى الإبداعات التي تنتجها العزلة ملامسةً للذات أكثر من الخارج، فالعالم الغائب أو المفقود وهو العالم الخارجي نفسه سيعاد تشكيله ورسمه بناءً على معطيات ذاتية وداخلية وبعيداً عن التأثيرات الضاغطة للخارج، التي تدفعه نحو اتجاه من الاتجاهات أو وجهة من الوجهات.
لا يمكن للإنسان الهرب من التأثيرات سواء الداخلية أو الخارجية وما دعوى البعض بعدم وجود مثل هذه التأثيرات إلا مجرد كلمات لا معنى لها وليس لها أي وزن معرفي أو دليل راسخ يثبتها، فالكلمات والتصورات والأحداث لا تأتي من دون سبب أو أصل وهنا لب الإشكال، والاختلاف.
لن تكون لعبارات من قبيل "إنتاج مختلف"، و"إنتاج فردي"، و"إنتاج مميز"، و"نتيجة العزلة"، إلا معنى واحداً ودلالة لا يمكن إزاحتها، تتمثل في أن هذا الأدب يحاكي الحرية المفقودة والضائعة، التي يبحث عنها الإنسان خارجاً، وحين فقدها اضطر لاختراعها وممارستها داخل ذاته.
يمر الأديب أو المبدع عموماً بهذه المرحلة الصعبة والتي تطرح عليه سؤال الحرية مثلما مر بغيرها حين انطرحت عليه أسئلة الهوية والانتماء (المهاجرون)، أو أسئلة التضامن والتساند (الكوارث الطبيعية)، أو أسئلة الخوف والهرب (الحروب)، أو أسئلة الذات والفردية (عدم نيل حقوق أو مزايا).
هذه الأسئلة المختلفة ترافق ظروفاً استثنائية يمر بها البشر ويحاولون الإجابة عنها، كل حسب قدرته واستطاعته وطريقة عيشه وحياته ونوع إبداعه وأدبه، وأنا أحدهم حيث انطلقت من سؤال الحرية الخارجية وصولًا إلى الحرية الداخلية فسعيت لبناء عالمي وإعادة تأثيثه من جديد، وآمل أنكم مثلي.


error: المحتوي محمي