12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

خواطر لابد منها... ١٩- ٢

القرآن الكريم...
تدبر آياته...
تقدم في الخاطرة السابقة حول فضل قراءة القرآن وقلنا إن القرآن هو الناموس الإلهي وأفضل دستور وجد في حياة البشرية حيث  يضمن لهم حياة متكاملة ويأخذ بهم إلى السعادة الحقيقية لا يشعرون فيها بالنقص من حيث مسيرتهم حيث تكفل بإصلاح أمور دينهم ودنياهم بل ضمن لهم سعادة الآخرة والأولى.
قال تعالى:
{إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}.
وذكرنا أن القرآن هو عهد الله إلى خلقه.
روي عن الإمام الصّادق عليه السلام أنه قال: "القرآن عهد الله إلى خلقه، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده، وأن يقرأ منه في كلّ يوم خمسين آية".
حينئذ ماذا ينبغي لقارئ هذا العهد العظيم؟!
هل يقرأ قراءة بتدبر وتفكر؟!
أم يقرأ القرآن والقرآن يلعنه؟!
مما لا إشكال فيه أن العقل يحكم بدفع الضرر حتى المحتمل منه واللعن هو ضرر يقع على من يقرأ والقرآن يلعنه. كيف يكون ذلك وهو قارئ للقرآن؟!
في الحديث الشريف: "ربّ تالي القرآن والقرآن يلعنه".
وعن النبي صلى الله عليه وآله: "كم من قارئ القرآن والقرآن يلعنه".
نعم عندما يقرأ رياء ولا يتعظ ولا يكون عاملًا بما يسنه القرآن له ولا يكون حافظًا لحدوده ولا يعمل بواجباته ويرتكب ما حرمه الله في القرآن الكريم وذلك كله مع الالتفات إلى ما يعمله يكون داخلًا فيمن يلعنه القرآن لأنّه حقيقة استهزأ بالقرآن وضيعه حبًا في الدنيا.
ففي الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "من قرأ القرآن من هذه الأمّة ثمّ دخل النار فهو ممّن كان يتّخذ آيات الله هزوًا".
روي في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وآله أنه قال: "من قرأ القرآن ثمّ شرب عليه حرامًا أو آثر عليه حّبًا للدنيا وزينتها، استوجب عليه سخط الله إلا أن يتوب".
وروي عن الباقر عليه السلام أنه قال: "من دخل على إمام جائر فقرأ عليه القرآن يريد بذلك عرضًا من عرض الدنيا، لعن القارئ بكلّ حرف عشر لعنات ولعن المستمع بكلّ حرف لعنة".
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "القراء ثلاثة: قارئ قرأ ليستدر به الملوك ويستطيل به على الناس، فذاك من أهل النار. وقارئ قرأ القرآن فحفظ حروفه وضيّع حدوده فذاك من أهل النار. وقارئ قرأ فاستتر به تحت برنسه، فهو يعمل بحكمه، ويؤمن بمتشابهه، ويقيم فرائضه، ويحلّ حلاله، ويحرم حرامه، فهذا فمن ينقذه الله من مضلات الفتن وهو من أهل الجنّة، ويشفّع فيمن شاء".
إذاً على قارئ القرآن ان يقرأ بتفكر وأن يجعل كل آية مباركة قيد ذاكرته وألا يخرجها من مزاج تفكيره ويجعل الكتاب المجيد الذي هو عهد الله ومأدبته مسارًا مضيئًا له لكي ينال التجارة التي لا تبور ولا يكون ذلك إلا بتدبر آياته المباركة. نعم هي التلاوة الواعية التي تتجاوز اللسان وتنفذ إلى القلب وتحركه ثم تؤثر فيه التأثير الموصل للغاية المرجوة التي بها ينجو من عذار الله.
روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام أنه قال: "اقرَأُوا القُرآنَ واستَظهِروه؛ فإنَّ اللهَ لا يُعَذّبُ قلبَاً وعَى الْقرآن".
وقال عليه السّلام: "مَن استَظْهَرَ القرآن، وحفِظه وأحلّ حلالَه وحرَّم حرامَه أدخلَه الله الجنّة به، وشفّعه في عشرة من أهله كلّهم قد وجبَ لهمُ النّار".
بخلاف القراءة التي لا تعدو كونها كلمات يرددها اللسان دون أن يكون لها التأثير في واقع الفرد.
نعم يظن البعض ويقول أمرنا بالتلاوة وها نحن نتلوا كتاب الله وهذا تواصل مع كتاب الله جلّ وعلا فلما التدبر؟!
نعم للتلاوة من الثواب العظيم الذي لا يعلمه إلا الله ولكن النظرة المقتصرة على ذلك هي نظرة قاصرة تحتاج إلى مكمل.
وما التلاوة إلا طريق للوصول إلى معاني القرآن وضيائه إلى القلب والعقل ولا يكون ذلك إلا عن طريق تبدر آياته المباركة والتفكر في مضامينه الشريفة.
بل الهدف من نزول الكتاب المجيد لم يقتصر على التلاوة فقط وذلك بتلفظ آياته باللسان وإنما ليكون منبعًا أصيلًا للفكر والتفكر والتمعن ويكون سببًا لأن يستيقظ الوجدان ليكون هناك انبعاث ومحرك للعمل للوصول للغاية وحيث إن القرآن الذي يحتوي على كل خير وبركة لا يمكن الحصول عليهما إلا بتدبر آياته المباركة ليستلهم منها وذلك للعمل بها.
وفي سبيل الوصول إلى الغاية حيث أنزله الله كتابًا ميسرًا لفهمه وحث على تدبره وبوخ من لا يتدبر آياته لمعرفة أحكامه وقوانينه ولهذا المعنى أشارت الآيات المباركة والروايات الشريفة لهذا المعنى.
قال تعالى:
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}.
قال تعالى:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}.
قال تعالى:
{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}.
وقد ورد في الدعاء الشريف دعاء بداية تلاوة القرآن ما يشير إلى ما تقدم أيضًا.
روي عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: "اللهم فاجعل نظري فيه عبادة، وقراءتي فيه فكراً، وفكري فيه اعتباراً واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قراءتي علي سمعي، ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءة لا تدبر فيها بل اجعلني أتدبر آياته وأحكامه، آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هدراً إنك أنت الرؤف الرحيم".
ومن خلال ما ذكرنا قد اتضح لنا أن هناك معطيات لتدبر القرآن منها.
أولًا:
الطريق الوحيد للاستفادة من آيات القرآن المباركة والتأثر بها لا يكون إلا بتدبر آياته.
ثانيًا:
السبيل الوحيد والأمثل لفهم - القوانين والقيم والسلوك والأحكام ومنابع العلوم ومعرفة الحق من الباطل لأنه يفصل بين الحق والباطل - القرآن بتدبر آياته.
والمتدبر لآيات القرآن ليصل إلى فهمه لابد له من منهج يسير عليه حتى لا يقع فيما ليس بمراد للمولى عزّ وجل.
وهل الإنسان قادر على وضع منهج متكامل بمفرده ليتدبر آياته؟!
من الصعوبة وضع منهج متكامل وذلك لصعوبة الإحاطة بذلك -  إلا من كان عدل القرآن وهم أهل البيت صلوات الله عليهم - حيث إن القرآن الكريم له ظهر وبطن.
روي عن محمّد بن منصور قال: سألت الإمام الكاظم عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: {قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ}. فقال عليه السلام: "إنّ القرآن له ظهرٌ وبطن".
وروى السكوني عن أبي عبد الله الصادق عن آبائه عليهم السلام أنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: "… فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن فإنّه شافعٌ مشفّعٌ وماحل مصدّق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل، وهو كتابٌ فيه تفصيل وبيانٌ وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكمٌ وباطنه علمٌ، ظاهره أنيقٌ وباطنه عميقٌ، له نجوم وعلى نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه ولا تُبلى غرائبه…".
وعن عبدالله بن سنان عن ذُريح المحاربي قال: قلت لأبي عبدالله الصادق عليه السلام: "إنّ الله أمرني في كتابه بأمر، فأحبّ أن أعمله، قال: وما ذاك؟
قلت: قول الله عزّ وجلّ: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}، قال: {لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} لقاء الإمام، {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} تلك المناسك".
قال عبدالله بن سنان: "فأتيت أبا عبدالله الصادق عليه السلام فقلت: جُعلت فداك، قول الله عزّ وجلّ: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} قال: أخذ الشارب وقصّ الأظفار وما أشبه ذلك.
قال: قلت: جُعلت فداك إنّ ذريح المحاربي حدّثني عنك بأنّك قلت له: {لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} لقاء الإمام… فقال: صدق ذريح وصدقتُ. إنّ للقرآن ظاهراً وباطناً، ومن يحتمل ما يحتمل ذريح.
لكل آية من القرآن الكريم معان متعددة وكل حرف منه له تأويل وما ذلك إلا لأن بحره عميق لا يدرك غوره.
روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: "ما من آية إلاّ ولها أربعة معان: ظاهر وباطن وحدّ ومطلع، فالظاهر التلاوة، والباطن الفهم، والحدّ هو أحكام الحلال والحرام، والمطلع هو مراد الله من العبد بها”.
وروي عن علي أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: "سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: ليس من القرآن آية إلاّ ولها ظهرٌ وبطن، وما من حرف إلاّ وله تأويل".
وفي رواية أُخرى: "وما منه حرف إلاّ وله حدٌّ ومطلع على ظهر القرآن وبطنه وتأويله".
عرفنا مما تقدم وما ورد إن القرآن الكريم عميق غوره وله بطون وظهور وحدود وآفاق وغيرها قد لا يفهمها إلا العلماء ولا يعلمها كلها إلا النبي الأعظم صلى الله عليه وآله لإنه الذكر  وأهل بيته صلوات الله عليهم لأنهم أهل الذكر.
روى الكليني في الكافي الشريف:
رَوى الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ  ( عليه السلام ) فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ : ﴿... فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): "الذِّكْرُ أَنَا، وَالْأَئِمَّةُ أَهْلُ الذِّكْرِ"، وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): "نَحْنُ قَوْمُهُ، وَنَحْنُ الْمَسْؤولُونَ".
ومن جانب آخر، عرفنا أيضًا أن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن يسرًا وأن القرآن له مستويات فقد ورد في القرآن الكريم والروايات الشريفة ما يشير إلى هذين المعنيين المهمين وإلى ما تقدم.
قال تعالى:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}.
روي عن علي أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: "ثم إن الله جلّ ذكره.. قسّم كلامه ثلاثة أقسام: فجعل قسماً منه يعرفه العالم والجاهل، وقسماً لا يعرفه إلا من صفا ذهنه ولطف حسه وصحّ تمييزه ممن شرح الله صدره للإسلام، وقسماً لا يعرفه إلا الله وأمناؤه الراسخون في العلم..".
وروي عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام أنه قال: "كتاب الله عز وجل على أربعة أشياء: على العبارة، والإشارة، واللطائف، والحقائق، فالعبارة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء".
فبعض آيات القرآن الكريم يفهمها ويعيها عموم الناس بما لهم من الفطرة السليمة والعقل السوي الذي أودعه الله فيهم وأكرمهم به.
قال تعالى:
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}.
فعموم الناس يمكنهم أن ينهلوا من خيراته وبركاته ويغترفوا منه قدر طاقتهم ومؤهلاتهم وما لا يفهمون مضامينه يرجعون فيه إلى الذين يعلمون الكتاب وهم العلماء بالقرآن الكريم ليغترف كل واحد مما عندهم ليسد ما يجهله ليكون مصداقًًا لما روي عن صادق أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين.
روي عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام أنه قال: "ينبغي للمؤمن ألا يموت حتى يتعلم القرآن أو يكون في تعليمه".
لسلامتك وسلامة عائلتك ومجتمعك ووطنك اتّبع نصائح الجهات المسؤولة.




error: المحتوي محمي