يقول إبراهيم بن العباس: "ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا (ع)، ما جفا أحداً قط، ولا قطع على أحد كلامه، ولا ردَّ أحداً عن حاجة، وما مدَّ رجليه بين جليسه، ولا اتكأ قبله، ولا شتم مواليه ومماليكه، ولا قهقه في ضحكة، وكان يجلس على مائدته مماليكه ومواليه، قليل النوم بالليل، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى آخرها، كثير المعروف والصدقة، وأكثر ذلك في الليالي المظلمة) (بحار الأنوار ج ٤٩ ص ٩٠).
في هذه التحفة الجميلة موجز عن مكنونات العظمة والألق في شخصية الإمام الرضا (ع)، والتي بوأته لتلك المنزلة من كونه من خلفاء الله تعالى على عباده وهداتهم نحو الحق والفضيلة، فقد امتاز الأئمة (ع) بخصائص كمالية وأخلاقية لا يدانيهم فيها أحد، فهم ورثة جدهم المصطفى (ص) في عبوديته المطلقة لخالقه وخلقه وتعامله الحسن مع الناس، ولذا فإن الراوي يحكم على شخصية الإمام الرضا (ع) بالأفضلية على جميع من عاصره، لما ظهر له من فضائله التي تمثل سيرة الأولياء الصالحين المخلصين، والتي نشير لها بشكل سريع في إطلالة ترفدنا بجوانب القدوة والتأسي بشخصيته (ع).
جفاء الغير: هو تلك المشاعر السلبية تجاه الغير والتي تتكون كغدة كراهية وازدراء وجفاف عاطفي تجاه من اختلف معه أو أساء له، ولكنه (ع) صاحب خلق الحب للجميع لما يمتلكه من صفاء القلب.
مقاطعة كلام الغير: وكان (ع) يجسد آداب الحديث والحوار مع الآخرين ويبدي الاحترام لكلامه، فينصت ويستمع له حتى ينتهي من حديثه ثم يرد عيه (ع)، وهذا مما يحفظ المودة والتواصل الإيجابي مع الآخرين.
تقديم المساعدة: لا يمتلك أحدنا تقديم المساعدة التامة للمحتاجين، ولكنها روحية العطاء والتخلص من أغلال الأنانية وشح النفس الداعية للمسارعة بتخفيف معاناة الغير ما أمكن، وإلا فأدناه أن يتلطف معه في الحديث مبدياً المشاطرة الوجدانية مع حاجته.
أدب المجالسة: ما كان الإمام الرضا (ع) يمد رجليه في وجه جليسه ولا يجلس على المتكأ من وسادة وغيرها قبله، وهذا من كرم النفس والتواضع وتقدير الآخرين وإظهار المودة له، وهذا من العوامل النفسية المعززة للعلاقات الناجحة مما ينمي المحبوبية والجاذبية في القلوب النقية.
تجنب شتم العبيد: مهما صدر من تقصير وغفلة عن الخدمة من عبيده وجواريه، فإنه يقابل (ع) ذلك بالتنبيه متلطفاً في الكلام معهم، وكم نحتاج إلى مثل هذا التعامل بتجنب الصراخ والشتم والسخرية لمن تحت أيدينا من عمال ومرؤوسين.
مجانبة القهقهة: التلطف في الحديث والمزاح الممدوح مما يخلق روحية من المودة والانسجام بين الجلساء، ويخفف عن المهموم ثقل ما يحمله من معاناة نفسية ومادية، ولكن ذلك يتم في إطار الاتزان والاحترام بعيداً عن القهقهة بصوت عالٍ، والتي تظهر الخفة في العقل وتزرع الاستخفاف بمكانته.
التواضع مع عبيده: كان الإمام (ع) يجلس على مائدة واحدة مع خدمه دون إظهار تمايز له في الجلسة عنهم، مما لم يكن معهوداً في التعامل مع العبيد من أسيادهم، ولكنه (ع) يؤكد على حقيقة التمايز بالتقوى والقرب من الله تعالى بعيداً عن الطبقية والعنصرية.
التهجد بالليل: وما أعظمها من سجية في الإمام الرضا (ع) بمعرفة ربه والعبودية له، فمأوى روحه الطاهرة اللصوق بمحراب الوقوف بين يدي الجبار ومناجاته والأنس بتلاوة كتابه وذكره عز وجل، ففي هدأة الليل والفراغ من قضاء حوائج الناس نهاراً، ييمم (ع) وجهه شطر أنس النفوس وطمأنينتها بالافتقار للغني المطلق والتقرب إليه بالطاعات.
صنع المعروف والصدقات: لم تغب معاناة الناس واحتياجهم لمن يهرع لمساعدتهم عن حركية الإمام الرضا (ع) الرسالية، فكان مباركاً أينما حل يحاول بكل ما أوتي من جهد ومال أن يبلسم آلام الفقراء والمعوزين، كما أنه يصنع المعروف بتقديم أي لون من ألوان المساندة والمساعدة المعنوية والمادية، ويختار (ع) من الأوقات ليلاً بعيداً عن أعين الناس؛ ليكون معروفه في قمة الإخلاص بتقديم صدقة السر، كما أنه يحافظ على كرامة ومروءة المتعففين والذين يتجنبون إطلاع الآخرين على فقرهم.



