كانت صديقتي وأختي الروحية تطلبُ مني أن أمسكَ بها في الطوافِ جيدًا؛ كيلا نفترق عن بعضنا البعض، وكنتُ أفعلُ ذلك وبقوة، أما هي فكانت تُرخي أحياناً وتستجيبُ أخرى، وما بين الشوط والشوط كان المكان يقتظ بنا أحياناً مع مَن "يحجُّ" ومَن "لا يحجُّ" وبإرادةٍ ومن غيرِ إرادة، وكثيرًا ما تردّد على سمعي "حج يا حاج"، وهناك من يلبي الطلب، وهناك من "لا حياة لمن تنادي".
يكتظ المكان بنا ونتضايق حينًا، وخاصةٍ حينما نصلُ للحجر الأسود أو لما يتأخر عنه قليلًا وما يتقدّمه، لكنّها سرعان ما تُفرج، ونجدُ أنفسنا وكأننا وحدنا من يطوف، ويُخيّل لي حينها -ورُبمّا هي حقيقة- أنني أشم رائحةً من الجنة، من طيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن نفحات سيدنا إبراهيم الخليل عليه تحايا الله وسلامه، فأبتسم بملء فمي، بَل بملء قلبي المنشرح في ضيافةِ ربٍّ كريم متحنن.
في ذلك الطواف تمثلت لي الحياة حقًا، فكلّ لحظةِ عصرٍ وضيقٍ وتزاحمٍ وتعثرٍ ووقوفٍ لثوانٍ قد نضطرُ له، إنّما هي في حقيقتِها صعوبات الحياة وأكدارها، وهؤلاء الأشخاص جميعًا يمثلون لنا أشخاصًا حقيقيين في حياتنا، رُبما آذونا، وأتعبونا، وكدّروا صفو حياتنا، وربما العكس تمامًا أحيانًا، فنحنُ حتى في وسط هذه المعمعة قد نجد من يخاف علينا ويأخذ بيدنا ويتلطف علينا من حيثُ لا علم له بمن نحن ومن نكون! وذلك الانفراج واليسر والتلطف الذي يحصل بعد ضيق إنما هو رحمة الله العظيمة التي جعلت من بعد عسرٍ يسرًا.
نعم الطواف صورة مصغرّة لحياتنا وتقلباتها وعثراتها ومكدراتها وانفراجاتها ولحظات الرحمة بها وبدايتها ونهايتها، وبكلّ البشر الذين نرتبطُ بهم بوثيق الصلة أو يمرّون بحياتنا مرور الكرام.
في الحقيقة الحج فلسفة عظيمة تعلّمنا الكثير إن حاولنا أن نفهمها حينما نؤديها، بل إنّ كل عباداتنا هي علاقة روحية تكسبنا الكثير من حيثُ لا نعلم.
ربما أطلتُ الحديث معكم، ولكن بقي موقف حاضر في مخيلتي في رحلة الطواف الرهيبة، ففي طواف النساء انضمت جماعة من الحاجات إلينا لا نعرفهن، وكنا نقرأ حينها دعاء التوسل فأصبح الصوتان أصوات شتّى وكان الشعور حينها لا يوصف، وفي ختام الدعاء بادرت إحداهن وقبّلت كتف صديقتي بكل امتنان باكية، فبكيتُ معها؛ لأني شعرتُ لحظتها بالملائكة تحوطُ المكان معنا، فيا رب لا تحرمنا العود يا أكرم الأكرمين.



