تبعثرت الحروف من أمامي وبنات أفكاري عققنني عندما مسكت القلم لأكتب لمسة وفاء لـ الدكتورة منى النزر استشارية علم الأمراض والأنسجة في مستشفى القطيف المركزي التي رحلت عن دنيانا في مثل هذه الأيام غرة ذي القعدة قبل ثماني سنوات، شعرت أنني غير قادر مهما أوتيت من بيان وطلاقة لسان أن أغطي ولو قليلاً من مساحة شخصيتها الفذة فليست هناك جملة أو مفردة تعبر عما هي فيه، فهي أسمى وأجل من كل المعاني والجمل فكل جانبٍ من حياتها يحتاج إلى مجلد، فالجانب الإنساني طغى على الجانب العلمي، والجانب الديني استعصى على المفكرين احتواؤه.
عملت معها في مستشفى القطيف المركزي سنوات عدة وبحكم عملي كطبيب أمراض صدرية أحتاجها وحدها فقط لقراءة العينات التي أحصل عليها عن طريق منظار القصبة الهوائية، والنسيج الرئوي، وكنت أستعجلها كعادتي في ذلك لأهميتها في مسار المرض، أقسم بالله العلي العظيم، لم تخطئ يوماً في قراءة إحداها وفي وقت قياسي قصير بل تناقش معي كل قراءة وأحياناً تطلب إعادتها إذا كان هناك غموض بكل أريحية وتعامل راقٍ يأسر القلب والجوارح ويبني جسراً للعبور إلى وجدان كل فظ غليظ. أذكر على سبيل المثال لا الحصر ، أنني كنت أستعجلتها في أخذ عينة من الغدد الليمفاوية لأحد المرضى، حيث كنت أشك أنها أورام سرطانية، كان ذلك يوم الخميس آخر يوم في الأسبوع الساعة ١١ صباحاً وكانت آن ذاك مشغولة جدًا في أخذ عينات أخرى لمرضى آخرين ولما شعرت بإلحاحي عليها لم تنزعج ولم تنهر بل جاءت وأخذت العينة قبل الواحدة ظهراً وهذا كان وقت راحتها وصلاتها التي لا يشغلها عنها شاغل كما عهدناها؛معاملة تشرئب لها الأعناق وتفغر لها الأفواه، ولولا بعض كبريائي لانحنيت حتى الجذع أمامها.
امرأه خلقت لأخراها فقط لم تخدعها الدنيا بزخرفها وبهرجها مع أنه كان بالإمكان أن تعيش حياة مرفهة فهي تنحدر من أسرة أحسائية ميسورة الحال وزوجها طبيب استشاري هو الدكتور حسين السعيد أتمنى له طول العمر والموفقية من هذا المنبر
آثرت الآخرة على الدنيا فزهدت فيها وقد أسرّت لبعض زميلاتها أنها لا ترغب في العيش طويلًا ولن تعيش طويلًا وأنها تتمنى الرحيل قبل الخمسين من عمرها فحقق الله أمنيتها واختارها إلى جواره عن عمر ناهز الـ٤٩ عامًا.
لا أبالغ إن قلت هي دومًا تنبثق الفضيلة من جوانبها، هي جوهرة يكاد سنا برقها يذهب بالأبصار وشعاعها يعم أرجاء الدنا هي سراج ينير داجية الليل الحالك.
أيتها الجمانة المكنونة ستظلين في ألق العيون وبين أجفان المقل وعلى لسان الأدباء أيقونة عانقت الثريا وطالت السَّمَاكْ الرامح قد استعجلتي الرحيل تاركة سيرة عطرة وعبق تاريخ للأجيال من بعدك.
رحلتي وتركتِ شلالًا من الدموع يتقاطر كلما مر شريط الذكريات رحلتي ولكن لن يتوارى ذكرك بين الأنام وسيبقى أوراقًا ربيعية تخضر كلما دغدغها ريح الشمال.
حضرت تشييعك وما أن طالت يدي قوائم نعشك ورأيت دموع ابنك الأصغر تتساقط على خديه كأنها اللؤلؤ الرطب لم أستطع أن أحبس رقراقةً في مقلتي.
عجزت الأرض عن حملك فخبئتك في لحدٍ لا شك أنه روضة من رياض الجنة.
الدكتور حسن آل شيف استشاري باطنية وصدرية



