صرختْ بأعلى صوتها - ولدي، صغيري - أخذته بسرعة إلى المستشفى وهي مرتبكة، علامات القلق واضحة على محياها، نظراتها شاردة، تغالب دموعها، والأفكار السوداء تملأ رأسها، وفي قسم الطوارئ، تم تقديم الدعم الكافي لإبقاء الصغير في حالة مستقرة.
اقترب منها الطبيب وقبل أن يسألها بادرته بالقول: لا أعرف ماذا حدث لقد كان بصحة جيدة، ممتلئاً بالحيوية والنشاط، ويلعب مع إخوانه، وفجأة انقلبت أحواله، لا أعرف لماذا! سألها: هل لديه حساسية من طعام معين؟ أجابت: طبعاً لا أنا متأكدة من أنه لا يشكو حساسية من طعام.
في اليوم التالي وبعد تتبع أثر مصدر تلك الحالة من خلال التشخيص الطبي والفحص المخبري، واختبارات التحسس الجلدية ومجموعة من العلامات الحيوية، تبين فعلاً أن الطعام مصدر فرط الحساسية.
يمكن تفسير حدوث فرط الحساسية في حالة تناول مجموعة من الأشخاص - كأن تكون عائلة - وجبة سمك أو ربيان - ثم نجد أن بعض أفراد العائلة يشكو من أعراض تتمثل في احمرار في الوجه والكفين والكتفين، ثم غثيان وتقيؤ وبعض الإسهال، وهي عادة أعراض لها علاقة بنوع الطعام، تصيب بعض الأفراد، وليس الجميع.
الحساسية الغذائية: تفاعل غير طبيعي للجسم ضد بعض المواد الغذائية التي تعد مواد كيميائية، هذه المواد غير ضارة لأغلب الناس، ولكن تتكون حساسية لدى البعض، وبمجرد أن يتأكد الجهاز المناعي للجسم من أن هذا الطعام أو ذاك مضر، فإنه يبدأ في اكتشاف أجسام مضادة له، وفي المرة التالية التي يأكل فيها الشخص الطعام نفسه يبدأ جهازه المناعي بإطلاق كميات كبيرة من المواد الكيماوية - بما فيها الهستامين "Histamine" - بهدف حماية الجسم، ولا تلبث هذه الكيماويات أن تحدث سلسلة متتابعة من تفاعلات الحساسية التي يمكن أن تؤثر في الجهاز التنفسي والهضمي والجلد أو الجهاز الدوري، والتي سرعان ما تتحول إلى أعراض تتمثل في احمرار في الوجه والأجزاء العليا من الجسم ثم غثيان وتقيؤ وبعض الإسهال، وهي عادة أعراض تشبه الأعراض الناجمة عن التسمم بالأغذية الملوثة.
قد تظهر الأعراض في خلال فترة قصيرة (دقائق أو ساعات) من تناول الشخص للطعام المسبب للحساسية، ولا يوجد علاج لمرضى حساسية الطعام إلا بتجنب الأغذية المسببة لها.
هناك مجموعة من المواد الغذائية والمكونات التي تتسبب في فرط الحساسية مثل: الحبوب التي تحتوي على مادة الجلوتين كالقمح والشعير والشوفان والشيلم والدخن سواء الأنواع الأصلية منها أو المهجنة أو منتجاتها - القشريات ومنتجاتها - البيض ومنتجاته - الأسماك ومنتجاتها - الفول السوداني وفول الصويا ومنتجاتهما - المكسرات ومنتجاتها - الحليب ومنتجاته (المشتملة على اللاكتوز) - الكرفس ومنتجاتها - الخردل ومنتجاتها - بذور السمسم ومنتجاتها - الرخويات ومنتجاتها - الترمس ومنتجاتها، مواصفة رقم GSO 9/ 2013.
• ألزمت الهيئة العامة للغذاء والدواء موردي المواد الغذائية بوضع جميع البيانات الإيضاحية للمواد الغذائية المستوردة بخصوص مكونات هذه المنتجات التي تسبب فرط الحساسية، والمحتويات المشتقة أو المستخلصة منها، وكتابة عبارة تحذيرية "يحتوي على" أو "قد يحتوي على" ضمن بيانات المنتج.
وبدأت الهيئة العامة للغذاء والدواء من تاريخ 1 - 10 - 2019 م، إلزام المنشآت الغذائية التي تقدم الطعام للمستهلك خارج المنزل بالإفصاح عن مسببات الحساسية في قائمة وجبات الطعام، لائحة فنية سعودية "SFDA.FD 56".
• تكمن أهمية الإفصاح عن مسببات الحساسية في المحافظة على حياة الفرد، حيث إن تنـاول الأغذية المسببة للحساسية حتى ولو بكميات ضئيلة يمكن أن يسبب ردود فعل سلبية لدى بعض الأفراد الذين يعانون من حساسية الطعام قد تصل إلى الوفاة لا قدر الله، والحل الوحيـد المتاح أمام هؤلاء الأفراد للتصدي لحساسية الطعام هو تجنب تناول الأغذية المسببة للحساسية.
إنه نظام ضبط الجودة الذي يتطلب وضع أي احتمال ولو على أقل درجة يجعل بقايا صغيرة من أغذية التحسس قد تختلط مع منتجات أخرى على خط الإنتاج؛ يجعلهم يضعون ذلك التحذير على العبوات.
يجب أن يتوخى المستهلك الحذر عند شراء أي منتج غذائي مصنع، بقراءة البطاقة التعريفية للمنتج، فشركات التصنيع الغذائي ملزمة بكتابة تحذير الحساسية على البطاقة لتفادي المحاسبة القانونية جراء ما يتعرض له المستهلك نتيجة تناوله مسببات فرط الحساسية.
نرى أشخاصاً يمتنعون عن تناول نوع معين من الأغذية، وهذا ناتج من تخوفهم من فرط الحساسية، وقد وجد أن عزوف بعض الأشخاص عن شرب الحليب مثلاً ناتج عن عدم تحمل اللاكتوز، حيث لا يستطيع الشخص المصاب هضم الحليب لعدم وجود الإنزيم الخاص بهضم اللاكتوز "سكر اللبن"، ومـن ثم يصاب بالانتفاخ والمغص، وهذا يحدث غالبًا بتقدم العمر.
يعتبر الفول السوداني من أكثر مسببات الحساسية سوءاً، فقد قامت شركات تصنيع الغذائي بوضع تحذير فرط الحساسية على بطاقة منتجاتها خوفاً من الملاحقة القانونية.
كثيراً ما شعرت بالضيق وأنا أشاهد أطفالنا في المستشفيات يعانون من أعراض تحسس من منتجات الفول السوداني، وقد يهدد حياتهم، بحيث يجد المصابون صعوبة في البلع أو التنفس إلى جانب أعراض أخرى كالقيء، وآلام تشنج المعدة، والإسهال، والإغماء وقد تؤدي الصدمة إلى الوفاة نتيجة إعاقة التنفس أو هبوط ضغط الدم.
وتعد حساسية القمح من أمراض سوء الهضم تروجه الحساسية من مادة الجلوتين "وهو بروتين يوجد في القمح والشوفان والشعير"، وهذه الأعراض ناجمة عن مرض السيلياك Celiac Disease وهو مرض مناعي وراثي يصيب الجهاز الهضمي، ويتسبب في تلف الأمعاء الدقيقة ويؤدي إلى حدوث اضطرابات في عملية الامتصاص، وضمور في خمائل الأمعاء، مما يسبب عدم امتصاص معظم المواد والعناصر الغذائية.
الابتعاد عن المأكولات والأطعمة التي تحتوي على مادة "الجلوتين"، ويمكن معرفة ذلك بالاطلاع على ملصقات الطعام للتأكد من محتواها.
وعلى أي حال الإنسان هو طبيب نفسه إذا عرف أن شراباً أو طعاماً يسبب له الحساسية فيفضل الابتعاد عنه.
توجد أماكن مختصة لبيع منتجات غذائية ذات استخدامات خاصة تتوفر فيها أطعمة خالية من الجلوتين "بروتين القمح" مصنعة للأشخاص الذين لديهم حساسية، مثل بعض المخابز والمراكز التجارية.
ختاماً، في حوار الأجيال تساءل أبي: يا ابني لماذا هذا الإصرار على تجنب الربيان رغم أنه "ملك" المائدة، وأغلى ما يقدم من وجبات، حاولت أن أفهمه بأن لدي حساسية شديدة ظهرت خلال وجودي في بعثة لأمريكا، وأن هناك احتمالاً رياضياً يقارب الواحد من الألف مضروباً بعدد مرات أكل بروتين الربيان مقسوماً على عامل ثابت يجعل من احتمال إصابتي بحساسية الربيان تتعدى النسبة العشوائية للحساسية القاتلة!!
أبي الذي لم يفهم كل هذا الشرح الرياضي لخص نظرته لجيلنا "المهووس بالوجبات السريعة"، بقوله: الربيان الذي تعافه كان حلم آلاف من الذين لم يعرفوه سوى على شكل وجبات خفيفة مقرمشة "منتفخات الذرة بفك" معدة للأطفال "بسكوت ربيان".
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.



