يتميز الشاعر عن غيره بمشاعره المرهفة التي تشبه حبات المطر التي تتساقط لتبلل الأرض السمراء فتنبت ألوانًا من كل الثمرات، فكذلك تتمخض عن تلك المشاعر كلمات تبشر بولادة قصيدة جديدة تدهش آذان السامعين وتلمس شيئًا داخلهم.
هذا ما يلمسه المتابع للأمسية الحوارية لملتقى سدرة الثقافي، التي أدارها الأديب والناقد محمد الحميدي، مستضيفًا الشاعرين مرتضى الخويلدي، ومهدي السنونة، في أمسية حوارية بالتناوب بينهما، ألقى خلالها كلاهما عدد من القصائد، عبر منصة زووم مساء الجمعة 27 شوال 1441هـ.
وأكد الشاعر مهدي السنونة أن الشعر ينبغي ألا يخلو من الدهشة، فالقصيدة التي يتم استحسانها؛ أحيانًا لا تناسب المجتمع، ممثلًا على ذلك بقصيدته العمودية الأولى "لقيط يلتقي منفاه".
وأوضح السنونة أن القصيدة عبارة عن سؤال، قد لا يجده الإنسان العادي شيئًا مهمًا، بينما يستخرج الشاعر منه نصًا عميقًا، منوهًا بأن الشاعر قد يظل يبحث عن جوابه طوال عمره.
وذكر أن انطلاقته في عالم الشعر كانت هادئة، مبينًا أنه بعد عودته من الدراسة في الخارج، حاول أن يقف مع أصدقائه الشعراء، لمحاولة إضافة شيء مما تعلمه من الغربة، التي أثقلته وجعلته ممتلئًا بتجارب الحياة.
وعن بدايته الشعرية، ذكر أن أول قصيدة كتبها حين كان يدرس في الصف الخامس الابتدائي، مبينًا أنه إذا وقف عليها الآن وقيّمها لقال إنها تحتاج للنضج، فالإنسان لا بد أن يحكم على نفسه، قبل أن يحكم عليه الآخرون، كي لا يتوهم أنه أصبح شاعرًا، بينما هو عكس ذلك.
وبسؤاله عن موقفه من القصيدة العمودية، ونزوعه نحو التفعيلة وربما النثرية يجيب: "ليس المهم شكل القصيدة بل مضمونها، فالشكل يخضع للحالة الشعورية، فمثلًا علم العروض باستطاعة الجميع تعلمه، لكن لا يستطيع الجميع كتابة شعر حقيقي أو الإبداع فيه".
وتحدث عن مشواره قائلًا: "توقفت لفترة عن كتابة الشعر، وكتبت بعض المقالات، وقد طغت عليها أيضًا روح الشعر، فأنا أكتب القصيدة العمودية، والتفعيلة، والموضوع والحالة الشعرية هما اللذان يحددان اتجاهي وطريقة كتابتي، وأنا أرفض تصنيف أي شاعر".
وعند سؤاله: هل الشاعر في كل قصيدة يكتب ذاته؟ أجاب: "الحالة تفرض نفسها، فمثلًا حالة الحزن لها أطوار مختلفة، وإذا كررت القصيدة بصيغة جديدة، فهي ليست تكرارًا والشاعر يستطيع أن يحدد متى تصل قصيدته للحظة الشعرية، فهو في رحلة البحث عن ذاته وعليه أن يصنع بصمته الخاصة".
وأكد على أن الشعر إرث عربي، ضاربًا بجبران خليل جبران مثلًا؛ حيث قاسى الكثير ووصل للعالمية، معللًا ذلك بعدم وجود شخصية مكتملة، وعدم الحاجة لمثل أعلى للشاعر، فالشاعر يمثل نفسه فقط.
وصرح بأنه سيئ في التوصيف، ولذلك لن يقدم على كتابة الرواية، رغم وجود تجربة له في كتابة فيلم، لم ينجح تمامًا - حسب وصفه- منوهًا بأنه لم يقدِّم للآن ما يشفع له ليقدم على كتابة رواية، لكنه يستفيد من توصيف الشخصيات، التي تلهمه بأن يتحول لجنس أدبي آخر.
وفي السياق ذاته، صور الشاعر مرتضى الخويلدي العزلة بالمعركة التي لا بد للشاعر فيها من الانتصار على ذاته، مؤكداً على أهميتها للشاعر، واصفًا إياه بالراهب الذي دخل صومعته للتأمل في الشعر، لاكتشاف ذاته والآخرين، وقال: "إن قضية الاغتراب تعد من أبرز القضايا المعاصرة، فلا تكاد تجد شاعراً، إلا وهو يكتب في الحنين للوطن والعائلة، فمن قديم الزمن هناك قصيدة لكل من بللته دموع الاشتياق ويبحث عن قريته أو عن أم تضمه".
وعن عصيان القصيدة وتمردها قال: "هناك مخاضات متعددة لولادة القصيدة، مبينًا أن الجزء الأصعب هو افتتاح القصيدة، وحتى لحظة المخاض، هناك ألم ورعشة يكاد يحتضر منها، فالقصيدة عبارة عن سؤال، دهشة، فقد تكون عند الناس، هذه الأسئلة، لا تمت للقصيدة بصلة، لكنه يرى فيها نصًا عميقا كشاعر وإنسان".
وأوضح أن التجريب الشعري في طبيعته، أمر غير شاذ، حيث الجمال متعدد الألوان، فالحياة داخل القصيدة تعني الخروج إلى الدهشة، والتأقلم مع وجع الحياة، والشعر مكافأة نمنحها أنفسنا، بعد تعب وعناء.
وذكر أن هناك جمالًا يحدد التجريب الشعري، مبينًا أن الألوان المتعددة الموجودة في الساحة الأدبية، ناشئة عن اختلاف الثقافات والشعراء أنفسهم، مبينًا أن الشعر عالمي لا يقتصر على اللغة العربية فقط، ولا ينحصر في قالب معين، فهناك طرق متعددة إذا كان الشاعر قادرًا على كتابة أشكال متعددة فليكن، وليس بالضرورة أن يكون على وتيرة واحدة أو شكل محدد.
ووصف كبار الشعراء بالسد المنيع، والتيار المؤثر، موضحًا أنهم يؤثرون في شاعريته ففي بداياته كانت الشرفة الأولى لنزار قباني، ووجد في أشعاره الأطوار والكلمات السهلة، ثم اتجه بعد ذلك لبدر شاكر السياب، وإيليا أبو ماضي، ونازك الملائكة، كل هؤلاء شكلوا نتاجه الأدبي وشخصيته الشعرية.



