على الرغم من كل ما أصدرته الجهات المعنية بالجائحة من أول إلى آخر مسؤول، ولا تزال تصدره، مازلنا في غفلة عن خطورة ما نمر به برمته.
فلم تنفع فينا الأوامر ولا التوجيهات ولا التحذيرات، ولم نكترث بالعقوبات، ولم نلتفت للإرشادات ولا لما ينشره أو يحاضره المثقفون والمختصون والاستشاريون، وخلافهم رجالاً ونساء ممن جندوا أنفسهم لأجل الإنسانية في مختلف بقاع وطننا الغالي، فالإمعان في المخالفات مستمر، والتغافل متواصل، وكأننا نعيش تحديًا وعنادًا، وجهلاً واستخفافًا متعمدًا.
ماذا بقي كي يعي ويرعوي هؤلاء المستخفون بنا ممن يضعون البلاد والعباد على كف عفريت، ويأخذوننا معهم إلى حيث المجهول الذي لا نجاة منه سوى بتوجهنا إلى ربنا سبحانه لينظر لنا بعين لطفه وعنايته ورحمته وينقذنا مما ألمّ بنا ويكشفه عنا وهو القادر على كل شيء جل وعلا شأنه.
متى ينتبه هؤلاء الغافلون لمستوى الخطر الذي يداهمنا ويهدد حياتنا جميعًا؟ ويقدرون مستوى الكارثة التي نمر بها، ويتخيلون فقط حجمها لو أن كل شيء خرج عن السيطرة؟
ألا يعلم هؤلاء أن طاقات البشر محدودة مهما طالت، وقدراتهم مهما بلغت لن تمكنهم من المواجهة والتي يبدو أنها مستمرة على الرغم من الفترة الطويلة التي قضيناها ونحن نصارع الوباء والحظر والحجر، فضلاً عن حرماننا من رؤية أهالينا وأرحامنا وجيرتنا، وإن أول من نقصد بهم هنا من المتضررين هم أولئك الأبطال الذين يسهرون على راحتنا، وبذل أقصى ما يستطيعون من قدرات متحملين المعاناة النفسية والجسدية والتعب والمشقة، في الوقت الذي هم فيه أقرب للخطر منا بكثير، بل وأصيب ومات منهم البعض أثناء قيامهم بواجبهم الوطني والإنساني. هؤلاء بشر وليس لديهم قدرات لا متناهية على التحمل، ونخشى أن ينهاورا في لحظة يأس، وإننا هنا نعني بهم الطواقم الطبية العظيمة من رجال ونساء، الذين نشد على أيديهم دعمًا لهم ووقوفًا معهم، وهم ما زالوا يصلون الليل بالنهار خدمة للناس بجهود تفوق الخيال وقد حرموا من رؤية ذويهم وفلذات أكبادهم. وأخطر ما يواجهونه هو رؤيتهم لجهودهم وقد ذهبت أدراج الرياح، حين يلاحظون الأعداد المتزايدة في المصابين والحالات الحرجة والموتى للأسباب التي ذكرناها آنفًا، وكأنهم لم يفعلوا شيئًا طوال الشهور الماضية، إنها حالة إحباط ويأس لا يمكن أن يتحملها إنسان إذا فقد الأمل في انقضائها، ولم يعرف لها أمدًا محددًا.
أفيقوا يا بني حواء، وانتبهوا من غفلتكم، فالوباء قاتل ولا يرحم أحدًا، لا أنتم ولا غيركم، ولا تبحثوا عن الذرائع كي تخالفوا الأوامر، لأن استمرار الأمر على ما هو عليه وبنفس الوتيرة المتزايدة يعني حفر المزيد من القبور.



