شاء الإله أن هيأ لنا فرصة في مثل هذا اليوم الذي يعود الله على من عمل بما فرضه عليه واجتهد في كسب رضاه بمغفرة ورضا يوم اجتماع وتواصل للمسلمين وصلة أرحام.
وبما أن الأقدار الإلهية وما اقتضته المشيئة الربانية وحفاظاً على الإنسانية والنأي بالنفس عن موطن وموقع التهلكة التي نهى البارئ عن إلقائها فيها بالتواصل والتجمع في هذه المناسبة كمن يلقي نفسه بيده فيما لا يحمد عقباه كنوع من التواصل كتب لنا باكتساب علم بفيض منه عز جل وبركة محمد وأهل بيته.
فمن غير المألوف لإنسان أن يكون في مثل هذه المناسبة بموقف مثله، إنما يكون إما خارج بيته أو في تجمع عائلي أو ممارسة متعة أو تسلية وما أكثرها من متع دنيوية، فهنيئاً لمن توجه قلبه واختار بتوفيق وسداد منه تعالى وببركة محمد وأهل بيته فريضة طلب العلم، فعنه صلى الإله عليه وآله قال: "من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله فلينظر للمتعلمين يكتب لهم بكل خطوة مدينة في الجنة وبكل خطوة ٣٦٠ عبادة وتشهد الملائكة أنه من عتقاء النار"، خاصة العلوم التوحيدية وما شرع الله على عباده، فدراستها واجب عيني لا كفائي.
تتضمن طرق تلقي العلم ٣ أنواع؛ درس صامت، درس استماع، ودرس تفاعلي فيه تدبر تفكر وتواصل بين الملقي والمتلقي معلم ومتعلم.
ولا بد للدرس التفاعلي من تحضير واهتمام وتركيز ومباحثة ومذاكرة، خاصة في عصر التقنية عبر التواصل، وأن يصاحبه الإخلاص متقرباً به للباري عز وجل، وأن تزكي ما تعلمت، فالشيخ الذي يدرسنا أصول معرفة الباري يردد: "زكوا ما تعلمتموه"، أي أن تعلموا ما تعلمتم.
فدروس الحكمة الإلهية، الفقه الأكبر والعقائد والأصول التوحيدية تعلمها واجب، فلا تقليد ولا احتياط فيها، فالعقيدة من العقد والإحكام والإتقان، وهي المبادئ التي يعقد عليها الإنسان في قلبه وعقله ونفسه ويضحي من أجلها وتقوم بذاتها لأنها أصل بخلاف الفروع لا تقوم بنفسها كفرع الشجرة تحتاج للجذر، كما سقف البيت يحتاج لأساس وأعمدة.
والعلم محصور في ٣ علوم، (١) آية محكمة وهي العقائد، (٢) فريضة عادلة وهي علم الفقه، (٣) سنة قائمة وهو علم الأخلاق، فالعلم نور وله آثار في حياة الإنسان، فقراءة في كتاب مفيد أو استماع بأي نوع من أنواع التواصل أو استماع هادف انظري إلى ثمرته والأثر الذي يحدثه في القلب والعقل والروح.
نفعنا الله وسددنا لمعرفته التي هي هدف خلق العباد، وحديث الله القدسي يبين ذلك، فمعرفته هي أعظم الَمعارف وأصل الدين والسبيل المؤدي إليه، فمَعرفته عقيدة فقه أكبر وقناعة أكيدة نعتقدها بالبرهان والدليل خلاف فروع الدين ممارسة المكلف لها مقلداً أو محتاطاً عن طريق أدلة وبراهين، وهي طريقة ميسرة وممكنة وبالفطرة أي مخلوق يستدل بذلك على وجود الخالق كما في حديث النبي صلى الله عليه وآله (حديث المغزل) وكلام الأعرابي.
وننبه ونؤكد أن معرفة الله ليست معرفة لذاته تعالى عن ذلك، فتلك المعرفة لا تتيسر إلا بطريق الشباهة والجنسية، وتعالى الله أن يكون بينه وبين مخلوق شباهة أو جنسية.
اللهم عرفني نفسك فإن لم تعرفني نفسك لم أعرف رسولك، اللهم عرفني رسولك، فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني، اللهم اجعلني في درعك الحصينة التي تجعل فيها من تريد، واعمر قلوبنا بطاعتك.



