متشابهون هم الناس، حين يولدون، وبعد أن تقلبوا في الأرحام، ويتشكلوا في خلقتهم ليخرجوا من البطون يشابهون أسلافهم بنسب مختلفة في صفات أبدانهم، وتقاسيم وجوههم يعرفون بالدم قبل النسب، وباللقب قبل الاسم.
ثم ماذا؟ حين يكبرون ويتفتحون فينطلقون؟ من أين وإلى أين؟ من أين، أساساً وأصولاً وتربية وتهذيباً؟ وإلى أين، طموحاً وتطلعاً وهدفاً وغاية؟ وفي أين وصولاً ونجاحاً؟ وحتى أين تقلباً واتجاهاً؟ وإلى متى استمراراً واستقراراً وبقاءً؟
معايير تتشكل من خلالها الذات الإنسانية لتصبح ذات قيمة اعتبارية ثمينة، تزداد أو تثبت، ولا تتناقص، تعطي فتتكاثر، تخسر فيرتد عليها الريع مضاعفاً، وتجتهد ليعود عليها اجتهادها نفعاً وعلواً ورفعة.
دون ذلك تكون الذات الأخرى تحت وطأة الخسران، وبعيدة عن الذكر والحسبان، بلا قيمة أو اعتبار، ومردُّ ذلك للخطوة الأولى، حيث الأساس الضعيف، والمسلك الخاطئ، والمنهج المنحرف.
لذا، على الإنسان أن لا يرضى لإنسانيته دون القيمة المعتبرة، والتي تَرن كما يرُن الدينار الذهب حين يرتطم بالجسم الصلب، ويلمع وهو يتقافز من عليه، ويستقر على ظهره ووجه إلى السماء يعكس ضوء الشمس لمعاناً وبهاء، فلا تنقص قيمته عبر المدى والأزمان، فالذهب لا يصدأ ولا يتراجع، يثبت أو يزيد وهو دوماً للزيادة أقرب.
كهذا يجب أن يكون عليه حال الإنسان، عليه أن يؤسس ذاته أساساً قيمياً، ويعمل لأن يبني نفسه من خلال تطلعاته الرشيدة العالية، وأن يقاتل لكي يصل، ولا يتراجع، يثبت ولا يتراجع، بل ينطلق لطموح آخر دون اكتفاء، يستمر ويهرب من الاختفاء، ولا يقف ليترجل إلا عند خط النهاية، حين يبلغ المشوار مداه، وحين يكون قد ثبت قيمته الاعتبارية والحياتية، ليصبح شعلة وقادة لا تنطفئ عبر الأزمان ومدارها، ولتصبح هذه القيمة طريق هداية لسالكي ذات الطريق.
وهنا تتراكم الأمنيات، لتتشكل سحاباً غليظاً، سرعان ما يهطل عطاءً ونماءً، وتقدماً وازدهاراً على سوح الكفاح، ونحو مستقبل أميز، وحياة تستحق البقاء، وقيمٍ ثابتة، لا تقدر بأثمان ولا أوزان.



