في عالم الأعمال والشركات، يتحمل رئيس الشركة الناجح مهمة الحفاظ على روح الفريق فيقضي نصف وقته تقريباً يطفئ الحرائق التي لا تفتأ تشتعل بين وقت وآخر بين أعضاء الفريق الواحد، سواء بين المدراء أو بين نواب الرئيس أو غيرهم.
هذه الحرائق ليست النار الطبيعية المحرقة، وإنما هي نار أشد وطأة لأنها تشتعل في القلوب ولا تراها الأنظار وقد تؤدي إلى انهيار الشركات، وربما العوائل والمجتمعات لا قدر الله.
رئيس الشركة يملك فهماً أكثر وأشمل لقضايا الخلاف بين الإدارات المختلفة، فيقدم مقاربة مقبولة من جميع الأطراف فيرأب الصدع ويرتق الفتق وتعود المياه الى مجاريها، أما لماذا تشتعل نيران الاختلاف في الرأي بين أعضاء الفريق الإداري في الشركات؟ فأحياناً لحسن نية الأطراف فقد يتنافسون على موارد الشركة المحدودة مما يؤدي إلى تنازعهم، وأحياناً نتيجة رغبة أحد الأطراف في الاستئثار بكعكة الرئيس والتزلف إليه بأداء مهمة تختص بها الدوائر الأخرى، وأحيانا أخرى نتيجة الفشل في أداء مهمة معينة فيلقي كل فريق اللوم على الفريق الآخر، وهكذا قد توجد أسباب لا حصر لها تتجدد يومياً حسب الظروف.
وهنا يكون الدور الحاسم والضروري لرئيس الشركة الناجح، فهو من يشم رائحة الخلاف قبل ظهوره ويدرس نفسية الأطراف المختلفة ويقدم الحلول المقبولة والمقنعة لجميع الأطراف، لذا ترى الرئيس دائماً يلعب دوراً حيادياً وذكياً جداً في حسم الخلافات قبل أن تستفحل حتى لا تنهار منظومة الشركة الإدارية وتفشل، الرئيس الناجح يشبه الخيمة التي تظلل الجميع، فهو الأب الحاني والأخ الكبير المقبول من جميع الأطراف.
أما هل تحتاج العائلات لمن يطفئ حرائقها؟ فالجواب نعم، فكل مجموعة من البشر تتشارك في موارد معينة وتتنافس لتحقيق رغبات معينة قد تختلف فيما بينها وهذا الخلاف قد يكون سبباً في تمزقها واندثارها، لذا يوجد غالباً على مستوى العوائل شخص ذو قلب كبير يحمل مسؤولية إصلاح ذات البين، فهو حيادي، حكيم ومقبول من جميع الأطراف، قد يكون هذا الشخص أكبر العائلة سناً أو أغزرهم علماً أو أتقاهم ديناً أو أكثرهم وجاهة أو أسخاهم كرماً فهومن يرجع إليه بحثاً عن ساحل النجاة من الفرقة والخلاف.
والسؤال المهم هو هل تحتاج المجتمعات لمن يطفئ حرائقها؟
الجواب: نعم، بل ألف نعم، المجتمعات فسيفساء جميلة من أصناف شتى وميول مختلفة ونوازع متباينة، فلا يمكن لها أن تخلو من موارد الخلاف، هذا الخلاف قد يكون لاختلاف ثقافاتها وتباين آرائها في ماضيها ومستقبلها، ومع ذلك لا يستغني فرد من هذه المجتمعات عن الأفراد الآخرين فهو منهم وهم منه، يعمل معهم ويعيش في كنفهم ويستظل بخيمتهم ويفتخر بانتمائه اليهم، ولذلك يتوجب إطفاء حرائق الاختلاف منذ بداياتها قبل أن تستفحل ويستعصي أمرها.
أما من يطفئ الحرائق هنا؟ فهو صاحب القلب الكبير المحبوب والحيادي والفطن لخوافي الأمور والحريص على مستقبل الجميع، إن سعة الصدر وحسن الظن والحيادية وعدم السماح بالتعدي على شخصية الآخرين وسمعتهم هي الصفات الضرورية لمن شاء أن يتصدى لهذه المسؤولية العظيمة، هنيئاً لمن يؤدي هذا الدور فقد ورد: "إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام".



