أستطيع أن أشبه حياة الإنسان العمرية برحلة يستقل خلالها قاطرة يمكث فيها لأمد معلوم من دون علمه، وكم تمنى لو علم ولكن هيهات أن يعلم بمحطة الوصول النهائية، وهذا ينطبق علينا كلنا دون استثناء.
إبراهيم ناجي شاعر الرومانسية والجمال، المنحدر من مدينة المنصورة، وفي الأطلال نقتبس ما يناسب المقالة لحال الدنيا حين يصدح ناجي:
يا حبيبي كل شيءٍ بقضاء ... ما بأيدينا خلقنا تعساء
ربما تجمعنا أقدارنا ... ذات يوم بعد ما عز اللقاء
فإذا أنكر خل خله ... وتلاقينا لقاء الغرباء
ومضى كل إلى غايته .... لا تقل شئنا فإن الحظَّ شاء
نعم ومضى كل إلى غايته، نحن من سيمضي لغايته ومنتهاه مستقلين قاطرة العمر.
إن قدر لك الله أن تمضي مع القاطرة في المسير فسترى الكثير ممن يرافقك في الرحلة وقد هم بالنزول رغم محاولته المستميتة بالبقاء وتعلقه بحب البقاء والاستمرار في الرحلة، لكن لن تفيد كل تلك المحاولات ومهما فعل وتوسل سينزل ثم تستمر القاطرة في المضي في الرحلة، لتجد نفسك أيضاً وقد انتهت بك عند إحدى المحطات القادمة التي لم تكن لتتوقعها لتنظم لقافلة النازلين بل قل المودعين.
من كان معك ورافقك الرحلة سيتذكرك قليلاً وكثيراً ثم تتوالى المشاهد الآتية عبر نوافذ القاطرة فتنسى بل وتمحى كل ذكرياتك مع استمرار المسيرة.
من يترك القاطرة ويمضي يترك الأثر البليغ في الباقين طيلة بقائهم حتى موعد الرحيل، وأقول أيضاً رحم الله أحمد فتحي حين يقول:
ذكريات داعبت فكري وظني
لست أدري أيها أقرب مني
هي في سمعي على طول المدى
نغم ينساب في لحن أغنى
بين شدو وحنين وبكاء وأنين
كيف أنساها وسمعي لم يزل يذكر دمعي
وأنا أبكي مع اللحن الحزين
كان فجرا باسما
المغريات الحياتية قد لا تقاوم من قبل الركاب، وعندها يتمنون المكوث الأبدي في الرحلة، لكن هيهات، هيهات، لقد وقفت القاطرة الوقوف الأخير، فتفضلوا أيها السادة الكرام بالنزول نحو الوعد الموعود.



