لم تكن أمي في كثير من ملاطفتها لي تتعمد المشاغبة، بل أنا كنت أشاغبها، وهي بدورها تشاغبني، ردًّا علي، نستمتع معًا، لأرى ذاتي بين يديها طفلاً، يلعب بالطين والماء، كبرت، وما زلت طفلاً، كم أشعر بالطفولة بين يديها وظلها، وأنتم كذلك تستمتعون بأمهاتكم وحكاياتها.
كنا ذات يوم على المائدة، أخبرتها، والطعام على الطاولة، مشكلاً لوحة جمالية، كأنما أنثى، أخذها الوقت سراعًا، لذيذًا في تصفيف شعرها البنفسجي، ليكسوها طويلاً، حيث تستأنس الأزهار، كلما أبصرته، وقلت: "ماما، أشعر بالجوع"، عيناها ترمق بحدة الجالس على طرفها الأيمن، وتجيب: "الطعام أمامك، عانقه بيديك، ودلع معدتك بما لذ وطاب"، يبدو أن "الماما"، كشفت الخطة، التي أعددتها آنفًا، لأحظى بزخم كبير من كلمات الحنان "والدلع".
دائمًا، أسترجع حكاياتها، وكلماتها، لأسترشد إلى مكنونها، إنها ترجع كل شيء إلى الواقع، أنت جائع، إذًا كُل، تتبع الكلمة المشهورة: لا سلام على طعام، كأنها أرادت أن أغرس ذاتي وأستمتع بصريًا بالمائدة، أبحر في متعة تذوقها، وأتأمل جمالها، أمي حين تأكل، لا تتحدث، تعتبر الحديث على المائدة تصرفًا غير لائق، يفقد الإنسان شهيته، ومتعته، ويفقده الإشباع، ترى أن الإشباع، ليس في امتلاء "الكرش"، ولكن كل جزئيات المائدة، تمنح الإنسان الكلية في الإشباع، القالب، المعني بالمكان، بيئته، الأشخاص المتواجدين، كيفية جلوسهم، صمتهم، إلا من لغة الأعين.
أن تصنع اللذة، أجمل من أن تتبعها، أن تنسج المتعة، أروع من أن تلاحقها، أن تبزغ ما بين أناملك الدهشة، تغري أكثر من أن تصنعها -هكذا أفكر في كل شيء مصدره أمي-.
يقول توأم الكلمة والمعنى، الناقد محمد الحميدي، في توصيف كتاب الغموض، التائهون في شقلبة الصور الجمالية رأسًا على عقب: أولئك الكتاب، الذين يثيرون زوبعة عبر كتاباتهم، ويعتقدون أن الغموض، هو الإدهاش!، هم على خطأ، ولا يدركون حقيقة الكتابة -يا للهول ما هذا؟.
يا ترى، هل حقيقية الكتابة، تعتمد على الإدراك؟
وفي إشارة بسيطة، لا تدخل في عمق اللغة، أو تفسير علم النفس لها، يأتي الإدراك في الكتابة على بلوغ الفهم للمعنى، الكتاب، الذين يراهم -الحميدي-، لا يدركون حقيقة الكتابة، بأنهم لا يمتلكون فهم ماهية الكتابة أساسًا، لهذا تجدهم، يتشبثون بالغموض، عله يوصلهم إلى شيء -كل له رغبته-.
بعيدًا عن الأدب، إن الإدراك مهم في كل مفاصل الحياة، وفي مختلف ألوانها، فالفهم، مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإدراك، لذا يصح القول بأن وراء كل إدراك فهم، حينما تدرك الشيء، ستفهمه.
يتابع -الحميدي- ما في جعبته: ولا طريقتها الصحيحة، فالإدهاش، لا يعني الغموض، إنما يعني الكشف المسبب لصدمة انفعالية، على إثرها يبدي القارئ رأيه، ويتفاعل ويسأل وقد ينال الجواب، ولو بعد عناء، أما الغموض فشيء آخر، ولا يكشف شيئًا، بل يصدم فقط.
يأخذنا مرة أخرى إلى فاعلية الدهشة من خلال الكشف، حيث الغموض، لا يحمل في سلته أي نوع من فاكهة الشتاء والصيف، منوهًا بأن السؤال، من أساليب الكشف.
إذًا لا بأس من إسقاط قاعدة "بصلة إدراك الذات"، التي تطرق لها مارك مانسون، مشبهًا الإدراك بالبصلة، في كتابه "فن اللامبالاة لعيش حياة تخالف المألوف"، بأن لها طبقات كثيرة، وكلما قشرت هذه الطبقات، كلما كان من المحتمل أن تذرف الدموع في أوقات غير مناسبة.
طبعًا مانسون لا يتحدث عن الأدب، لكنه في العيش بطريقة مختلفة عن المألوف، يضع القارئ في ملامح وواقع الحالة، ويسعى إلى تغيير نمط حياته.
يشير مانسون، في بصلة إدراك الذات، إلى أن المشكلة حين تفهمها، تغربلها بالأسئلة، تشكلها في ذاتك بطريقة غير اعتيادية، مغايرة، لتسأل نفسك، قد تذرف دموعك، بكونك قضيت وقتًا في المعاناة، والسبب في ذاتك، أنت، في طريقة تفكيرك، وتعاملك، مع الأشياء من حولك.
في الواقع، نعم، ستذرف دموعك، طالما كنت أبصرها أمي، وهي تقشر البصل في مطبخها الشهي، تمسح دموعها، وتبتسم، لأنها تأنس بوجودي بجانبها.
أنت فكر بطريقة مغايرة في ذاتك، واطرح عليها سؤالاً صعبًا "لماذا"، في النص الذي تقرأه وتسمعه، بماذا تفكر الآن، وتشعر؟
يذكر أن البصلة الأولى، تأتي في الفهم والمشاعر الأولى، وقد تسقط دموعك، حين تقشرها القشرة الأولى، ولكنها، تعطيك الفهم الأولي للشيء باختلاف كنهه، ويمنحك المشاعر الأولية، التي تدهشك.
وتأتي البصلة الثانية في الأسئلة، من خلال السؤال "لماذا"، إنه من الأسئلة الصعبة، يوضح مانسون: الثاني، هي قدرتنا على السؤال عن السبب، الذي يجعلنا نحس هذه المشاعر، والانفعالات بعينها.
صدق -مانسون-، لذا نواجه النص، المنجز الأدبي بتفعيله، حيث هو الطريق إلى الإدراك برشفة تكشفه، تبعًا إلى فاعلية الدهشة عبر الوغول في عملية استكشافه، بكونها عملية تكاملية، كأنما أحكم النص قيوده عليك، لتقرأه في أحيان متفاوتة، وتنعم بالنغم والمعنى، كسؤال: لماذا شدني النص؟، لمَ أحسست بأنه اختطف مشاعري وأحاسيسي؟، لماذا جعلني أهيم فيه؟، ماذا يميزه..؟
يقول أبو نواس: فقل لمن يدعي في العلم فلسفة/ حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء
إن الإنسان، دائمًا، يعيش الظمأ في طلب المعرفة، التودد إلى السبل، ليتعلم، وعطفًا على عدم معرفة البعض من الكتاب الطريقة الصحيحة في الكتابة -كما يزعم الحميدي-، الذين يثيرون زوبعة عبر كتاباتهم، مستغرقين في الغموض، هؤلاء ليس لديهم علاقة، مع الدهشة ورغوتها، التي تشكل عائقًا بين النص، وفهمه بالنسبة للمتلقي.
ثمة نقطة عمياء، هكذا يسميها -مانسون-، لها صلة بالمشاعر والانفعالات، التي تعلمنا خلال نشأتنا أنها غير مناسبة في مجريات حياتنا، ولا بد من سنين من التجارب، والجهد، حتى يصير المرء ماهرًا في تحديد النقاط العمياء في نفسه، ثم يعبّر تعبيرًا مناسبًا عبر الانفعالات المرتبطة بتلك النقاط العمياء.
وعطفًا على الكاتب، أن يكتشف هذه النقاط العمياء، وكذلك المتلقي، ليبحر كل منهما في الدهشة، عبر قارب الاكتشاف، ويلامس يديها، فما أجمل أن يبحرا معًا، هو والقصيدة، يهتزان على ألحان البحر، يكتشفان اللؤلؤ والمرجان، ويرتعشان.



