12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

ليس كلّ ذي وظيفة وجبت عليه الفطرة

الفقر والغنى مفهومان أخذا أبعاداً كبيرة في الأعراف الدينية أو الدنيوية في تصنيف البشر، كما أنه تم تصنيفهما إلى عدة أقسام سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي والأممي، لذا كانت التعاريف متفاوتة من حيث تباين الثقافات التي صدرت عنها.
كما أن الفقر له أبعاد مادية ومعنوية وسيكون هنا التركيز على الفقر المادي غير أنه لا غنى لنا عن الإشارة البسيطة للفقر والغنى المعنوي لأهميته الكبرى.
فيدور مفهوم الفقر في اللُّغة حول الحاجة، والعوز، فالفقير هو المحتاج، وهو ضدَّ الغِنَى والفقير: مكسور فقار الظَّهر، وهو مشتقٌّ من انفقار الظَّهر، أي انكسار فقاره، فكأنَّ الفقير مكسور الظَّهر من شدَّة حاجته.
وجاء في المفردات في غريب القرآن أنَّ الفقر يستعمل على أربعة أوجه:
الأَوَّلُ: وجود الحاجة الضَّروريَّة، وذلك عام للإنسان ما دام في دار الدُّنيا، بل عام للموجودات كلها، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].
والثَّاني: عدم المقتنيات، وهو المذكور في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 273].
الثَّالث: فقر النَّفس، وهو الشَّره المعنيُّ بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): "كاد الفقر أن يكون كفرًا".
الرَّابع: الفقر إلى الله المشار إليه بقوله (صلى الله عليه وآله):
"اللهم أغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك".
ويبقى الرّأسمال الأهمّ في المسألة، سواء للغنيّ أو للفقير، هو رضا الله سبحانه، وما ادخره كلّ منهما لليوم الآخر.
فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مخاطباً أبا ذر: "يا أبا ذر! أترى كثرة المال هو الغنى؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: فترى قلة المال هو الفقر؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب".
من هنا، فإنَّ الغنى الحقيقيّ هو من كان من الخلائق صالحاً ومؤمناً ومخلصاً يوم يُعرَض على الله يوم القيامة، وهذا الَّذي ينطبق عليه عنوان الغنى الحقيقيّ، لأنَّ المال والجاه والأرزاق هي مجرَّد أماناتٍ عند هذا الإنسان.
وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) في إحدى خطبه الشّريفة: "الغِنى والفقر بعد العَرْض على الله".
فقد يدور في خلد الكثير من الناس الكثير من المفاهيم المتعلقة بالأحكام الشرعية في انطباق عناوين الفقر على البعض من جهة فقهية، فنلاحظ أن فقهاء الإمامية عرّفوا الفقير كما ذكر السيد السيستاني - حفظه الله - في معرض الإجابة "بأن المراد بالفقير من لا يملك مؤونة سنته اللائقة بحاله لنفسه ولعائلته لا بالفعل ولا بالقوة".
وبيان ذلك ربما يتصور الكثير أن أصحاب الأعمال خارجون عن دائرة الفقر الشرعي، بمعنى أن كل شخص حتى لو كان موظفاً لكنه يلجأ للدين لتحصيل مؤونته سواء كان الدين لأفراد أو للشركات كالبنوك فهو يعد في حكم الشرع فقيراً.
بل لو أن شخصاً يتسلم راتباً شهرياً بمقدار عشرة آلاف ريال لكنها لا تكفيه لإعالة نفسه وأسرته فهو فقير، وقد يكون شخص راتبه لا يتجاوز خمسة آلاف ريال لكنها تكفيه لمؤونته بلا دين فهو غني فليست القضية تعتمد على مقدار الراتب.
فراتبه الكبير مع الدين هو ضمن دائرة الفقر الشرعي لذا قد يكون ممن يستحق زكاة الفطرة، ومن يرغب أن يؤدي زكاة الفطرة على نحو الواجب لا بد ألا يكون فقيراً.
ففي حال كثير من الموظفين الذين لا يوفرون فائضاً نهاية سنتهم لا يجب عليهم دفع الخمس أو زكاة الفطرة أو خمس زكاة الفطرة لأنها واجبة على الغني الشرعي.
أما المراد من يملك قوته فعلاً أي من يملك مقداراً من المال يكفيه لسد حاجته بلا عمل كأن يكون معه مبلغ من المال في حسابه البنكي أو وظيفة تسد حاجته ومؤونته.


error: المحتوي محمي