12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

مائدة أمي والدهشة.. 3

المتعة -كما أوردنا في الحلقة2-، أكبر من اللذة، حيث اللذة وقتية، بينما المتعة، تعيش اللذة فيها وقتًا أطول، كالقهوة الفرنسية، تماما، حيث الرائحة، تسكن شفة مرتشفها، حتى بعد انتهائه وانصرافه.
فلكل شيء يأتي، سواء أكان فعلاً دراميًا، انتظره العاشقون والمتابعون، أو قرطاسًا أبيض، تلهف لمعانقة الكلمات، ثمة شيء، يمثل باعثًا له، وسببًا من أسباب بروزه وإغرائه، أهي الدهشة؟ -ربما.
إذًا ما تعريف الدهشة في بستان الناقد الأدبي محمد الحميدي؟
نقرأ ما أفاد به في عالم الكتابة، يقول: الدهشة صدمة انفعالية أساسًا، يمارسها عقل المتلقي، حيث يبدأ بطرح استجابته، التي تكون على شاكلة الإعجاب والتصفيق، الإشادة، أو التفاعل بالتساؤل، والغوص بحثا عن الخبايا والأسرار، وهنا يختلف القراء، فلكل قارئ نصيب منها، ومن الصعب اشتراكهم جميعًا في لحظة الاندهاش وبنفس الدرجة.
يذكرني -الحميدي-، بالدهشة، وكيف أحسست بها، حين كنت في السنة الأولى من الجامعة، إذ لمستها في جملة، صادرة من أمي الغالية، من عمق تجربتها في الحياة، وأحاديث الأمهات - كما تعلمون - لها وقع خاص وذكرى لا تمحى.
تقول أمي: يا ولدي، إذا أردت أن تكون عزيزًا، عليك أن تكون غريبًا، أوقفت السيارة، وأدرت طرفي لها، سألتها بتعجب: لماذا تريدين يا أماه، أن أبتعد عنك، عن دفء حنانك، عن حكاياتك، عن "صالونة اللحم"، التي أغرمنا بها، منذ كنا صغارًا.
تعجبت أمي: يا ولدي، لم أقصد الغربة الجسدية، الابتعاد المكاني، ولكن أن تكونا غريبًا في ذاتك، وثقافتك، أفكارك، أمنياتك وأحلامك، أن تكون لك رؤاك، وإن واجهك ابتعاد الآخرين لا تلق لهم بالًا، لتكن متمسكًا بمقولة: لا تزيدني كثرة الناس حولي عزة، ولا تفرقهم عني ذلة.
من هنا، اكتشفت لذة الدهشة، بكونها صدمة انفعالية -كما ذكر الحميدي-، ففي لحظة سماعها، أو قراءتها، تتجمد فجأة، كأنك تريد للزمن أن يتوقف، أن يمنحك اللحظات، لتستوعب، لتعيش المتعة - شكرًا أمي.
وبعد اللذة، التي تقود إلى المتعة، تتكامل معها، السؤال، يبزغ في الأفق، مفاده: أيهما يقود إلى الآخر: المتعة، تقود إلى الدهشة، أم الدهشة، تقود إلى المتعة؟
يقول -الحميدي- بالطبع الدهشة، تقود إلى المتعة، لأنها مرتبطة بالفهم، الذي بدونه لا تكون للنصوص قيمة، فما حاجة الإنسان إلى نص غير مفهوم، أو لا يمكن استيعابه، وهنا ثمة خطأ يرتكبه الكتاب، إذ يكتبون كلامًا جميلًا، إنما غير مترابط، فتنتفي الدهشة.
إذًا الدهشة، تقود إلى المتعة، والدهشة، ترتبط بالفهم.
إذًا، الدهشة، تتعلق بالفهم، وهذا عمق في الطرح، ولكن - أعتقد ولست جازمًا فيما أعتقد - أن الدهشة في أول الأمر، لحظة غياب عن الوعي، عبر دفقة اللحظات، قد تمنح الدهشة، وإن كانت غير مفهومة، نتيجة التراكيب الجمالية، وابتكار الجملة المختلفة ألوانها، إضافة إلى روعة الإلقاء، إن كانت مقروءة، أو بسبب احتوائها التشكيل البصري، لتتسع الدهشة من خلال، تجديف المعنى إلى العمق، تراه، يرتعش، تخيل الآن نصًا أدهشك، فأمتعك سابقًا، سيدهشك، ويمتعك الآن، وأنت تستذكره، لتعيشه مجددًا، فقط استحضره في ذاكرتك، فإنه سيقوم بدوره، وهذا يشعر به المتلقي المتذوق للنص الأدبي، الذي يفهم لغة ما وراء الكلم، ويمتلك مهارة فك طلاسمها.
وماذا عن الدهشة في ساح الكاتب، وعليه إذا كانت الدهشة ناتجة عن المتعة القرائية بالنسبة إلى المتلقي، فماذا عن الكاتب هل له نصيب من هذه المتعة؟
"الحميدي"، الذي لم ترهقه الأسئلة، فإنه، كالغيمة الماطرة، لا يكل ولا يمل، وهذا يدل على أن "حديثه شيق كمائدة كلماته"، يجيب: بالتأكيد، وهو يأتي من الفكرة، وإنجازها، كنص، ثم من المتلقي وتفاعله، فالانتهاء من الكتابة يولد شعورًا جميلًا، ويخفف العبء عن كاهله، وهي أولى علامات المتعة، التي ستقوده إلى اللذة، مع إعادة القراءة من قبل المتلقي، ومن ثم حينما يتفاعل هذا المتلقي ستزداد المتعة.
كثير ما يتم تناول النص الأدبي من قبل آخر – متلقٍ - ليتحدث عن النص، الموضوع، أسلوبه، العنصر الجمال والبصري، أن النص، مدهش وممتع، متماسك، لغته صافية، إلى كل ما من شأنه أن يتناول، وليس للكاتب، إلا نسبة النص إليه.
الكاتب، أين موقعه من الإعراب، من هذا كله، أين موقعه، أيكون، كربان السفينة، يأخذنا في رحلة، نستمتع بزرقة البحر، أمواجه، الجزر في جانبه، متعة الشواطئ، فرحة الأطفال، اختلاء العشاق في كل زاوية، استرجاع ذكريات مضى بريقها، لتشعر بالسعادة تأمل اللحظات العابرة، كأنثى البنفسج، تعانق يديها، تتسمر في عينيها، تشم رائحة البحر من شذى عطرها الفواح، من احمرار وجنتيها، إنشاء رغوتها، همهمات شفتيها، لتنتهي الرحلة، وجميع الركاب، تنحني خطواتهم باتجاه الشاطئ، ليس لربان السفينة، سوى الابتسامة، وبيان روعة الرحلة الجميلة والممتعة، ويغادرون.
أهكذا موقع الكاتب، لا أعلم، مجرد سؤال؟.
يوضح ناقدنا الجميل -الحميدي-، يقول: سيبلغ كل من الكاتب، والمتلقي حالة من المتعة القرائية، وهذه المتعة درجات متفاوتة، ولا يمكن رصدها بدقة، لأن غالبيتها جمالية، وتنتمي إلى معايير خارج الفن، أما اللحظة الأهم، والفارقة، لأي نص، فهي بلوغ القارئ مرحلة الدهشة، كما جاءت مثلًا لدى صاحب أبي تمام، حينما سأله عن شعره، وعدم فهمه، وهي تتكرر بأشكال مختلفة في زماننا الراهن، ولعلها تأتي بمسمى الغموض غالبًا.


error: المحتوي محمي