12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

خواطر لابد منها 15-1

الإنسان.. كيف يكون
كثيرًا ما يسأل الإنسان نفسه كيف ينبغي أن يكون؟! وما هي الصفات التي إذا وجدت يكون مؤمنًا حقًّا؟
أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل والأوصياء صلوات الله عليهم أجمعين مبشرين ومنذرين.
قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)).
أرسلهم هدى ورحمة للمسلمين.
قال تعالى: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)).
وخاطب الله سبحانه وتعالى المؤمن بأن يتقيه، وهي أن يقي النفس من عصيان أوامر الله ونواهيه وما يمنع رضاه، أو قل حفظ النفس عمّا يؤثم.
وقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن تفسير التقوى فقال: ((أن لا يفقدك الله حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك)).
وخطابه سبحانه وتعالى بأن يكون المؤمن مع الصادقين وهم علي والأوصياء من بعده صلوات الله عليهم أجمعين.
روى الشيخ الصدوق عليه الرحمة أنّه حينما نزلت آية الصادقين قال سلمان: يا رسول الله "صلى الله عليه وآله" عامة هذه أم خاصة؟ فقال صلى الله عليه وآله: ((أما المأمورون فعامة المؤمنين أمروا بذلك وأما الصادقون فخاصة لأخي علي عليه السلام وأوصيائي من بعده إلى يوم القيامة)).
لذلك أشارت الآيات الشريفة:
قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)).
وقال تعالى جلّ اسمه: ((وَمَنْ يُطِعِ الله وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ)).
فبعد الاعتقاد والتسليم للأوصياء بأنهم هداة راشدون فهم صلوات الله عليهم أجمعين، أرشدونا بأحاديثهم الشريفة إلى الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان المؤمن وتكون زينة له تمام ما ينبغي له أن يكون.
وقد وردت رواية شريفة مستوعبة لكل الصفات الإيمانية التي ينبغي للمؤمن أن يتحلى بها وخير مثال للإيمان الذي ينبغي.

روى الشيخ الكليني عليه الرحمة في الكافي الشريف عن أَبِي عَبْدِ الله عليه السَّلام أنه قَالَ: ((الْمُؤْمِنُ لَهُ قُوَّةٌ فِي دِينٍ وَحَزْمٌ فِي لِينٍ وَإِيمَانٌ فِي يَقِينٍ وَحِرْصٌ فِي فِقْهٍ وَنَشَاطٌ فِي هُدًى وَبِرٌّ فِي اسْتِقَامَةٍ وَعِلْمٌ
فِي حِلْمٍ وَكَيْسٌ فِي رِفْقٍ وَسَخَاءٌ فِي حَقٍّ وَقَصْدٌ فِي غِنًى
وَتَجَمُّلٌ فِي فَاقَةٍ وَعَفْوٌ فِي قُدْرَةٍ، وَطَاعَةٌ لِلَّهِ فِي نَصِيحَةٍ وَانْتِهَاءٌ فِي شَهْوَةٍ، وَوَرَعٌ فِي رَغْبَةٍ، وَحِرْصٌ فِي جِهَادٍ، وَصَلاةٌ فِي شُغُلٍ، وَصَبْرٌ فِي شِدَّةٍ، وَفِي الْهَزَاهِزِ وَقُورٌ، وَفِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ، وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ وَلا يَغْتَابُ وَلا يَتَكَبَّرُ، وَلا يَقْطَعُ الرَّحِمَ، وَلَيْسَ بِوَاهِنٍ، وَلا فَظٍّ، وَلا غَلِيظٍ، وَلا يَسْبِقُهُ بَصَرُهُ، وَلا يَفْضَحُهُ بَطْنُهُ، وَلا يَغْلِبُهُ فَرْجُه وَلا يَحْسُدُ النَّاسَ، يُعَيَّرُ وَلا يُعِيِّرُ، وَلا يُسْرِفُ، يَنْصُرُ الْمَظْلُومَ، وَيَرْحَمُ الْمِسْكِينَ، نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ، لا يَرْغَبُ فِي عِزِّ الدُّنْيَا وَلا يجزع مِنْ ذُلِّهَا، لِلنَّاسِ، هَمٌّ قَدْ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَلَهُ هَمٌّ قَدْ شَغَلَهُ، لَا يُرَى فِي حُكْمِهِ نَقْصٌ وَلا فِي رَأْيِهِ وَهْنٌ، وَلا فِي دِينِهِ ضَيَاعٌ، يُرْشِدُ مَنِ اسْتَشَارَهُ، وَيُسَاعِدُ مَنْ سَاعَدَهُ، وَيَكِيعُ عَنِ الْخَنَى وَالْجَهْلِ)).
وفي هذه الخاطرة سنأخذ بعض مفردات من هذه الرواية الشريفة المباركة لنتعرف عليها بما يسع المقام وباقي المفردات نذكرها في خواطر أخرى.
أشارت الرواية الشريفة إلى الصفات الإيمانية التي ينبغي للإنسان المؤمن أن يتحلى بها ليكون مؤمناً حقاً فمنها:
((الْمُؤْمِنُ لَهُ قُوَّةٌ فِي دِينٍ)).
الإيمان مصدر "آمن"، وهو مشتق من الأمن (ضد الخوف)، والإيمان هو الإقرار والاعتقاد والتصديق.
قال تعالى: ((..... وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ))، أي لست بمصدّق لنا.
ويتضمن لفظ الإيمان الأمانة، فالأمانة تأتي من الاطمئنان.
لغة:
كما عن الفراهيدي مصدر "آمن"، بمعنى الأمن ضد الخوف.
اصطلاحاً:
جرى الفقهاء في تعريف الإيمان على ما ذكره المتكلّمون وقد اختلفوا على أقوال ومنها:
1 - كما عند الشهيد الثاني عليه الرحمة في حقائق الإيمان.
(ما عليه الأكثر أنّ الإيمان هو التصديق بالله وحده وصفاته وعدله وحكمته وبالنبوة وكل ما علم بالضـرورة مجيء النبي به، مع الإقرار به باللسان).
2 - كما عند الشهيد الثاني عليه الرحمة كذلك في "مسالك الأفهام".
(إنّ الإيمان إقرار باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان، وقد اختلف أصحاب هذا القول بين من يعتبر العمل جزءاً من الإيمان، وأنّ صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، وهم الوعيدية، وبين من يرى فاعلها غير داخل في الإيمان، وأنّ له منزلة بين المنزلتين".
3 - ما ذكره بعض فقهاء الإمامية من تعريفه بالإقرار بإمامة الأئمة الاثني عشـر من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله باعتباره ممّا جاء به النبي وهو اصطلاح حادث جديد في زمان الصادقين (محمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق).
ويعبّر الفقهاء عن هذا الإيمان بـ "الإيمان بالمعنى الأخصّ"، ويرتّبون عليه أحكاماً متعدّدة.
قال تعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا...)).
فالمرتابون وهم أهل الظَّنُّ والشكُّ والتُّهَمَةُ، والذين يقولون ما لا يفعلون.
قال تعالى: ((.... يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ)).
لذلك يطلق عليهم صفة المنافقين، فحتى هؤلاء بعد ما شهدوا الشهادتين يكونوا مسلمين ولكن أنى لهم الإيمان.
فالمؤمن أخصّ من المسلم و أعلى صفة وأكبر درجة منه.
((قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)).
ولقد حصر الله تعالى المؤمنين بالذين يخشون ربهم أشد خشية كأنهم يرون النار ويسمعون حسيسها، ويرون الجنة ويتلذذون بنعيمها من شدة يقينهم.
قال تعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)).
ويتضح من الآية أن الإيمان درجات والمؤمن كلما ازداد تكامله ازداد إيمانه.
فقول الإمام عليه السلام: ((المؤمن له قوة في دين)).
نلاحظ أول ما يتبادر إلى أذهاننا أن سماحة ومرونة الدين يتنافى مع القوة والغلظة، فالدين يدعو دائماً إلى التخلق بالأخلاق الحسنة واللين في الخطاب:
قال تعالى: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ)).
والإحسان في المجادلة قال تعالى: ((وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)).
والرحمة بين المؤمنين وينفي كل آثار الغلظة.
قالى تعالى: ((مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)).
لكن القوة شيء آخـر، إنما هي العــزة وهي الغلبة ولكنها تنحصر في الله ورسوله والمؤمنين.
قال تعالى: ((... وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ...)).
فالمؤمن إن كان ليّنـا في علاقاته وتعـاملاته مع المؤمنين، عليه أن يكون عزيزاً قوياً وصلباً في مجابهـة أعداء الله.

قال تعالى: ((... أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ...)).
أينما كان المؤمن حتى وإن كان في قبضة عدوه لا نراه يذلّ نفسه، لماذا؟ لأنه يمتلك قوة الإيمان وهذا الإيمان هو دعاهُ لأن يكون قوياً صلباً.
((المؤمن القويّ خير و أحب إلى الله من المؤمن الضعيف)).
هــذه القوة ليست قوة دافعــة لا وإنما هي من باب نشر الحق لتتحقق العدالة والمساواة والأمن بين أفراد المجتمع.
ولذلك لابد من إظهار القوة والغلظة لتتحقق الغلبة لتطمئن قلوب أفراد المجتمع.
قال تعالى: ((....يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ...)).


error: المحتوي محمي