12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

مائدة أمي والدهشة.. 1

دائمًا وأبدًا، لحظات القراءة، والكتابة، لا تفارق محياي، فالسؤال، يلج في ذاتي وفكري، ويجعلني أنصهر فيه، لاكتشافه -على أقل تقدير في عالمي-، المعني بماهية المتعة والدهشة، واللذة في الكتابة، تحديدًا في كل ما يتعلق بالأدب والفن؟
وعلى حين غرة من القراءة الإلكترونية، متصفحًا قناة التواصل الاجتماعي "تويتر"، قرأت تغريدة العزيز الشاعر المتألق هادي رسول، وجاء فيها: لذّتان، هما: يقول رولان بارت: "لا يضمن لي التلذذ بالكتابة، أنا الكاتب، لذة قارئي"، أمّا قاسم حداد، يقول: "الشاعر الذي لا يستمتع بلحظة الكتابة ليس من المتوقع أن يمنح قارئ قصيدته المتعة والجمال".
وعليه ماهية هذه الأشياء، الدهشة والمتعة واللذة، وأيها يستدعي الآخر، وما العلاقة داخل النص الأدبي، والمنجز الفني، بينها وبين الأشياء الأخرى، إن عطفناها عليها؟
هذا السؤال وجهته للناقد والكاتب الأستاذ محمد الحميدي، رفيق الكلم، وتوأم الفكر، فأجاب مطولاً: كأنما أراد للتعب والإرهاق أن يتسرب إلى خلايا جسدي الثقافي المنهكة أصلاً.
وقال مستفهمًا: ما علاقة النصوص الإبداعية الشعرية، النثرية بالكاتب أولاً والمتلقي ثانيًا؟ وما المقصود باللذة والمتعة؟ وهل تندرج الدهشة ضمن هذه العلاقات المتشابكة؟
يجيب: نحاول سبر العلاقة بين الأطراف الثلاثة؛ النص، والكاتب، والمتلقي، وفق مبدأ الدهشة، وامتداداته، وعلاقته باللذة الأولى، ومتعة الكتابة.
يبدو أنني، سأرهق فعلاً، فأحتاج قليلاً من القهوة التركية، وقطعة "بيتزا".
وتابع حديثه: ينبغي التفريق بين أمرين أساسيين، يجيب عنهما السؤال التالي: هل النص الإبداعي نص جمالي، أم نص فني؟ وما الفارق بينهما؟ مردفًا خصوصًا، ونحن نتحدث عن القصيدة الشعرية لكونها أكثر الأشكال إشغالاً للمتلقين، وتداولاً بينهم، وإن كانت الأشكال الأخرى لا تقل عن ذلك في الإشغال.
النص الفني يتعلق بالكاتب، فهو يخضع لقوانين الكتابة، ويأتي وفقًا لها، كما هو مقرر ومحدد من قبل الدارسين والنقاد، وأي خروج عن هذه القواعد سيعد خروجًا عن المألوف، وخرقًا للنوع كما فعل أبو العتاهية (أنا أكبر من العروض)، أو المحاولات الشعرية، التي رافقته، وتلته، وجاءت على غير الأوزان الشعرية المعروفة.
أما النص الجمالي، فيتعلق بالقارئ، ووحده الذي سيحدد مقدار الروعة والدهشة الكامنة بين كلماته، وقد يتناوله بالدراسة والتحليل لبيان الجوانب الإبداعية والجمالية، بينما الكاتب سيزاح جانبًا، وسينظر إليه، كأي متلقٍ غريب، وبعيد وليست بينه وبين النص صلة.
نستنتج من توضيح -الحميدي-، فيما يتعلق بالدهشة، المتعة، واللذة، أن الأمر متعلق بالقارئ، ومدى استشعاره، لهم، بعيدًا عن الكاتب، وبمعنى أدق فالكاتب ليست له علاقة بذلك، أهذا صحيح؟!
وعطفًا على ما سبق، أجاب عن السؤال التالي: المتعة، التي ينالها المتلقي ألها علاقة بالكاتب؟ وهل تنعكس عليه؟
يجيب: نعم ولا، فنعم؛ لأنه حينما يشاهد التصفيق والمدح والإشادة، سيشعر بعظمة ما أنجز، وسيبدو، كتابع في المتعة للآخرين؛ إذ لا استقلالية لديه هنا، ولا؛ لأنه إن فقد الإشادة، سيتوقف عن الكتابة، وسيشعر أن ما كتبه لا يستحق مجرد النظر إليه.
إن لحظة اكتمال العمل الإبداعي تعتبر مفصلية في حياة الكتابة، والنشر سيعتبر رهانًا على النجاح والفشل، وسيظل شعور الكاتب مضطربًا ومتوترًا لحين الحصول على استجابة لهذا المنجز الذي قدمه، فإذا جاءت بالمديح تلذذ، وإذا جاءت بغير ذلك زالت لذته واستشعر المرارة والخيبة.
يبدو أن -الحميدي-، هنا، يجعل المتعة، التي يشعر بها الكاتب، تأتي نتيجة للمدح والإشادة، أما عدم المتعة، فتأتي بسبب عدم المدح والإشادة، بهذا الفهم، نجد أن المتعة، التي تكونت لدى الكاتب، هي متعة وقتية، ولذة، تزول، بزوال سببها، وتؤدي إلى أن يفقد الكاتب المتعة فيما يقدم!
والسؤال: ألا يشعر الكاتب قبل وأثناء الكتابة بالمتعة، وهل تنعكس على المتلقي؟ وبهذا يصبح الكاتب مثيرًا ومحفزًا للمتعة لديه.
إن الكاتب، يتلذذ، قبل الكتابة، وأثناءها، وبعدها، فهو إن لم يعش المتعة، واهتزاز اللذة، وارتعاش الفكرة، لن يصل بما يكتب إلى المتلقي، إذ ثمة كتابات رائعة المضمون، لكنها تفتقد نبضات قلب عاشق، يعشق ما يكتب، ويبثه كل مشاعره؛ ليقدمه في شكله البهي. وعليه: نعم للمدح، لأنه دافع تعزيزي للكاتب، وليس سببًا، لمتعة النص، ولا للمدح، كي لا يمدح من لا يستحق المدح والإشادة بعمله، لتسوء ذائقة المتلقي.
يقال: إن الشيء الخارج من القلب، يسكن في القلب، هذا يأخذني بحنان إلى مفردة "الأم"، الأم حين تعد الطعام لفلذات أكبادها، يأتي شهيًا، لذا طعامها، يختلف عن طعام الآخرين، ومائدتها، تختلف عن موائد الآخرين، وإن كانت موائدهم، أرقى وأفخم.


error: المحتوي محمي