قال تعالى (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163).وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا) (164) النساء.
في نهاية الآية الأولى لم يذكر اسم النبي داود (ع) إجمالاً مثل بقية الأنبياء الذين ذكرتهم، بل جاء بنحو من التفصيل، فلماذا وما دلالة ذلك؟
الجواب:
إن الغرض البياني والبلاغي من ذلك هو:
أولاً: بيان التفاضل بين الأنبياء ودفع توهم تساوي الأنبياء باشتراكهم في صفة واحدة وهي الوحي، ويستفاد ذلك من قوله تعالى (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا)، فهي مفسرة لها وهي رد دخل مقدر وتنبيه أن الأنبياء يتفاوتون في الفضل والرتبة.
الغرض الثاني هو بيان أنواع الوحي ومصاديقه، وأنه ليس له صفة واحدة على نحو التفصيل بعد الإجمالي (كما أوحينا)، فالوحي له صور متعددة، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (51).
فهذه الآية بينت مصداقاً للوحي وهو إنزال كتب سماوية عن طريق رسول من الله.
النتيجة أن الغرض من التفصيل هو بيان تفاضل الأنبياء، فقد خص الله نبيه داود ع بالزبور، والذي يتميز بحسن عبارته وجاذبيتها، وأن إتيان الزبور لداود هو من أقسام الوحي، وفي الآية الأخرى ذكرت النبي موسى (ع) وقد خصه الله بالتكليم من وراء حجاب، وهو أرقى وأشرف أنواع الوحي.
ويتبين جلياً أن الله أراد أن يضرب مثلاً بذكر داود وموسى (ع) لغرض بيان مصاديق الوحي وبيان المفاضلة بين الأنبياء.
والسؤال الذي يطرح؛ ما هو الغرض البلاغي من الفصل بين داود وموسى (ع) في الآية؟ فلماذا لم يقل (وآتينا داود زبورا وكلم الله موسى تكليما).
الجواب:
الغرض الأول لفظي وبلاغي، وهو تناسب فواصل الآية، (زبورا) نهاية الآية الأولى، و(تكليما) نهاية الآية الثانية، فلو لم يفصل لاحتاجت الآية الثانية لفاصلة أخرى، ولما فصل استغنى عنها، والاختصار غرض بلاغي.
الغرض الثاني:
بيان أن أحدهما أفضل من الآخر، فلو لم يفصل بينهما لتوهم التساوي بينهما، لأن العطف بالواو يقتضي الاشتراك، فالفصل تنبيه على التفاضل بينهما.
الغرض الثالث:
أن بداية الآية الثانية (رسلا قصصناهم عليك)، فتكون جملة (وكلم الله موسى تكليما) لها ربط، وهو مثال لمن قصهم الله وذكرهم في القرآن، حيث إن النبي موسى (ع) أكثر نبي ذكراً، فكأنما المعنى (ومن قصصناهم عليك موسى)، فلو لم يفصل لفات هذا المعنى أو احتاج لتكرار الجملة، وهو غير مستساغ بلاغياً، والاختصار غرض بلاغي حتى قيل إن البلاغة هي الاختصار.
والإعجاز البلاغي الذي يذهل العقول في قوله تعالى (وكلم الله موسى تكليما)، لأنها أغنت عن ذكر النبي موسى (ع) في الآية الأولى، وبينت مصداقاً للوحي وبينت ما اختص به النبي مـوسى، وبينت أنه أفضل من داود (ع)، وبينت أنه مصداق لمن قصهم الله على نبيه في القرآن كثيراً.
فجملة واحدة تضمنت أربعة معانٍ وهذه غاية البلاغة ومنتهاها، وقد سئل أحد أئمة البلاغة: (ما هو أبلغ الكلام؟)، قال: الذي إن سمعته أدركت معنى ثم إن شحذت الفطنة الدلالية للكلام اتضح لك معنى ثانٍ وثالث، ولهذا تفنن العرب في التراكيب بالتقديم والتأخير والفصل والوصل والتقدير والإضمار للوصل لذلك، وظنوا أنهم بلغوا الغاية حتى جاء القرآن فعجزوا عن مجاراته وأيقنوا أنه ليس من كلام البشر.



