ورد عن أمير المؤمنين (ع): "اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين" (نهج البلاغة ج ٣ ص ٥٥).
إذا واجهتك مشكلة أو معضلة معينة فلا تنساق خلف مشاعرك السلبية، فلا يصدر منك إلا التأفف ويعلوك كدر الهموم والأحزان وندب الحظوظ، ولكن كن صاحب همة عالية وإرادة صلبة تنقذك من ذلك المأزق وتأخذ بيدك نحو النور في آخر النفق، متسلحا بالمنقذ الكبير بعد الله تعالى ألا وهو صبرك وقدرتك على تقبل الواقع وتحمل مسؤولية البحث عن مخارج، ومستعينا بروح الأمل واليقين الذي لا يراودك معه شك بأنك حتما ستخرج من هذه الأزمة، بأقل الخسائر وستعاود العمل من جديد بلا ملل.
لماذا نرى بوادر الانفعال الشديد وما يتبعه من فقدان للاتزان الفكري حينما تحل بساحة البعض أزمة أو مشكلة معينة؟
بلا شك أن الضغوط النفسية والإحساس بالضيق من علامات التأثر السلبي بالمواجهات اليومية مع الصعاب والتحديات، ومنعها بالبتة ليس بمقدور أحد فتلك نتائج عادية مع كل مواجهة وجولة مع الابتلاءات، ولكن الأمر المهم هو كيفية تفادي استنزافها لطاقتنا النفسية ومخزوننا الجهدي، إذ أن المحن تعترك الإنسان وتثبت مخالبها في قواه حتى تصيبه بالتعاجز والخمول، وتدخله في دوامة من التدهور وتراجع منسوب التركيز الذهني والنشاط الحيوي، إذ هناك من لا يلتفت للمردودات السلبية للضغوط الحياتية فينساق مع كل موقف بكل انفعالاته ومشاعره من دون وضع حد معين أو خط رجعة؛ ليجد نفسه - في الحقيقة - ضحية تهوره وطريقة تعامله الخاطئة وتدبيره لأموره دون أن يكون العامل الأكبر الأزمة ذاتها.
وكل إنسان يمر بصعوبة لا يستطيع اقتحامها أو مصادفة إحدى العراقيل التي تقف حجرًا عثرة أمام أهدافه، يصاب بالتوتر والقلق بسبب فقدانه السيطرة على زمام الأمور وإفلات دفتها من تحت يده، ولكن ما عساه التوتر والانفعال الشديد جراء ذلك أن يصنع غير إدخالنا في دوامة من المشاكل وفي النهاية لن ينيلنا الحلول بل يعقد الأمور، ولكي نصل إلى قناعات عقلية في كيفية التعامل مع الأمور فنحن بين احتمالين لا ثالث لهما: فإما أن نقف مكتوفي اليدين نبدي الحسرة والألم حيال ما وصلت له الأمور من عقد يصعب حلها، وهذا التصرف لا يغير من الواقع شيئا ولا يساعد أبدا في حلحلة الأمور وتدحرج الصخرة التي تسد طريق إنجازنا، والاحتمال الآخر هو تحمل المسؤولية في كل الأحوال وتقبل الواقع والتصرف على أساسه نحو ما يمكن فعله وتداركه، فهناك الكثير من أسس التعامل مع الصعوبات والأزمات، وأهمها عدم فقدان السيطرة على انفعالنا بالانسياق نحو الشعور بمرارة الإخفاق، ويمكن الحفاظ على ثباتنا وهدوء أنفسنا من خلال وضع التوقعات والاحتمالات لكل ما نقدم عليه من خطى وأعمال، والنظرة الإيجابية لأي أزمة يعيد صياغتها نحو اعتبارها كنوع من التحدي والاختبار لقدراتنا، يخفف علينا هول المفاجأة والاضطراب جراء رؤية مشهد لا نرغب فيه، فينطلق الإنسان نحو البحث عن معالجات وحلول دون سأم أو ملل، فهو يريد أن يثبت جدارته بل وتفوقه على تلك العقبة بتجاوزها من خلال ما يتفتق عنه ذهنه من أفكار وتصورات للحلول؛ لينطلق بعدها مصحوبا بالهمة العالية والطموحات الواقعية نحو التنفيذ والعمل المثابر.
يا ترى: لو داهمك في البحر خطر الغرق، فهل ستستسلم بسهولة أم تحاول بكل ما تقدر أن تتجه نحو الساحل أو التعلق بأي أعواد تسعفك لحين وصول من يساعدك؟
هذا الأمر ينطبق تماما على كل مشكلة نواجهها في الحياة، وذلك من خلال أسلوب التصدي وليس الهروب نحو الأمام أو الخلف من المشكلة، فتجعل الهدف الأول هو تخفيف من صدمة الموقف وتقليل الخسائر ما أمكن، مع المحافظة على توازنه الفكري والانفعالي لئلا يخرج عن هذا الطور، بما يساعد في البداية من خفض منسوب التوتر والحفاظ عليه في الحد الطبيعي، فإفراغ شحنات التوتر المتزايدة أمر مهم في مقاربة المشكلة وقبل البدء في المعالجات، فذاك يساعده على التعامل بصورة جيدة مع المشكلة وتفكيك خطوطها المتشابكة.



