قبل عدة عقود انتزع الموت منا شابا في مقتبل العمر، كان من الناشطين اجتماعيًا وكان وقتها شعلة من النشاط، وهو المرحوم عبد الشهيد الزاكي، وكنت أتمنى أن تبقى ذكراه لفترة من الزمن، لتكون عظة وعبرة وفائدة لنا، ونحن نفقد هذه الأيام ناشطا اجتماعيا آخر ومتميزا؛ إنه الشاب نعيم عبد الله مكحل، فدعونا نأمل في تذكر هذا الشاب، دعونا نستفد من لوعة الفراق المفاجئة، دعونا نتعلم من حرارة الحدث ومن شدته ومن وقعه المؤلم علينا، إذا لم نحصل على شيء من هول الصدمة إلا البكاء والحزن ، فقد نكون خسرنا الشيء الكثير، وعندما نقول نذكره، فلماذا نذكره؟
أولًا نذكره ولو لفترة من الزمن بأي طريقة من الطرق، فنترحم عليه وبذلك نكسبه المزيد من الأجر والحسنات، بعد أن فارقنا إلى غير رجعة، وهو بالتأكيد يحتاج إلى ذلك.
وثانيا نذكره لنتذكر العمل الذي قام به ويقوم به، وهو العمل الاجتماعي، لنتذكر خدماته للمجتمع، وبالتالي نشعل جذوة النشاط الاجتماعي في نفوسنا وفي نفوس أبناء المجتمع، بل نزيدها اشتعالا وتألقا، ونحن في أمس الحاجة لإبراز هذه القيمة بيننا، من أجل تفعيل العمل الاجتماعي وتطويره من أجل خدمة الناس، وقيل الساعي لخدمة الناس كالساعي بين الصفا والمروة.
ونذكره ثالثاً لنتذكر صفاته ومحاسنه، ألم يقل أحدهم حين كان يحادث المرحوم: إن نعيم أوقف الحديث قائلا إنه سيرفع الأذان ثم يعود لتكملة النقاش، ما أجمله من موقف - الصلاة أولا - وهل هناك ما هو أهم من الصلاة، هذا الموقف سيكون أقوى تأثيرا علينا من كلمات أي خطيب، ألم يقل أحدهم: إن المرحوم كان صديقا للجميع، وتلك ميزة سيسعى الكثيرون للوصول إليها، فلا يعادي أحداً، الدنيا لا تستحق أن نعادي فيها أحداً، بل علينا أن نحب الجميع فيحبوننا، ألم نقل دائما: اذكروا محاسن موتاكم؟ فتذكرنا لهم هو تذكرنا لأعمالهم الجميلة التي سنستفيد منها ويستفيدون هم بشكل غير مباشر، وهم يستحقون منا ذلك، ألم يكن المرحوم متواضعا، لقد شاركنا في الأوليمبياد الماسي في لجنة من اللجان، وأتذكر أنني قلت له إنك تستطيع أن تدير حفلا بالكامل، فكان رده متواضعا كشخصه المتواضع، حيث أعلم أنه أدار ويدير برامج بشكل كامل، وهذه الميزة قد لا تجدها في المجتمع الآن، إذا لتكن مواقف وتجارب موتانا عظة وعبرة لنا، فالسعيد من اتعظ بتجارب غيره.
جعلنا الله من المتعظين بغيرنا ومن الذاكرين لمحاسن موتانا، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون ورحم الله من قرأ للفقيد الفاتحة وترحّم عليه.



