12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

البلدية تراقب.. حكاية نجاح تؤرق الضمائر الميتة!!  

من منطلق المسألة الوطنية والحرص على سلامة المواطن، وكذلك المساهمة في نشر الوعي الصحي، أرى لزاماً عليّ أن اشير إلى دور الأجهزة المسؤولة على الرقابة الصحية الشاملة للمنشآت الغذائية، وبكل ماله ارتباط وثيق بصحة المستهلك كعمل وقائي لمنع حالات التسمم الغذائي التي تؤدي إلى خسائر فادحة في الأرواح وفي الأموال، ويلحق ضررها أصحاب المحلات وتجارتهم وسمعتهم.
من هذا المنطلق فقد أولت وزارة الشؤون البلدية والقروية ممثلة في الأمانات والبلديات، اهتماماً كبيراً بالعلاقة بين البيئة وصحة الإنسان وضرورة جعلها تميل لصالح الإنسان في هذه الأرض الطيبة، وذلك بالمحافظة على صحة البيئة والصحة العامة.
التحدث عن المخالفات الملاحظة في المنشآت الغذائية أمر ليس بالسهل تغطيته، ولكن دعوني أمر سريعاً على إحداها كمقدمة:
حدثني زميل كان يعمل مفتشاً صحياً قال: كنا في زيارة تفتيشية إلى أحد مطاعم الأكلات الشعبية، وصادفت قبل صلاة العصر، والمحل تجرى له صيانة "إزالة سيراميك من أحد الجدران" دون وضع حاجز خشبي يمنع وصول الأتربة والقطع المتطايرة إلى القسم السليم، وقد تعرضت جميع أسطح والإعداد والتجهيز، وأواني القلي والطبخ للأتربة والغبار، ولفت نظري مقلى كبير مملوء بزيت قلي، وقد شكل الغبار على سطحه طبقة بيضاء، مما أثار الشك في نفسي بأن هذا الزيت قد لا يستبدل، فكان لزاماً عليّ أن أضع علامة لتأكيد ذلك الشك قبل المغادرة، قمت بالتقاط ثلاث قطع صغيرة من البورسلان المتراكمة في المكان، ووضعتها في المقلى، وغادرنا المكان على أمل الرجوع بعد صلاة العصر، وفعلاً ما لبثنا أن عدنا، فوجدنا ما كنا نتوقعه، العامل قام بقلي السمبوسة في الوعاء الذي به الغبار، عندها مباشرة سألت عن الكفيل أو مسؤول المطعم، وكان موجوداً، اتجهت إليه وسألته عن حالة الزيت هل تم استبداله؟ أجاب: بالتأكيد يومياً، وكررت السؤال أكثر من مرة، ودائماً الإجابة بنعم وهو في حالة دهشة من تكرار نفس السؤال! وفجأة انقلب حاله وأحمر وجهه، بعد ما شاهد عملية إخراج قطع البورسلان من حوض زيت القلي الحار بالمغرفة، والزيت أيضاً لونه داكن يتصاعد منه الدخان والرغاوى متجمعة على جانب المقلى، وهذه مؤشرات بدائية على تدهور الزيت بالاستخدام الجائر - للأسف الشديد - هناك إقبال كبير من مختلف فئات المجتمع على تناول المأكولات الشعبية مع علمهم بأن أغلب العمالة تمارس الفوضى، وهنا يجب أن نؤكد وجود مطاعم شعبية راقية ونظيفة ذات سمعة جيدة، ويحرص أصحابها على تطبيق الاشتراطات الصحية.
تم في الحال إغلاق المطعم وتحرير محضر للمخالفة، هذا ما رأته عين الرقيب.
فالرقابة الغذائية تعد أمراً مطلوباً وملحاً في عصرنا الحالي لعدة أمور أهمها على الإطلاق: انتشار الأمراض بسبب المضافات الاصطناعية، والملوثات البيئية والحيوية، والمتبقيات الكيميائية، والتسممات الجرثومية والفطرية، والإصابات الحشرية وإفرازات القوارض والحيوانات، والتقنيات الحديثة، والأكثر خطراً أصحاب الضمائر الميتة، لذا فإن الرقابة الصحية لابد أن تشمل متابعة المطاعم والمنشآت الغذائية كافة على حد سواء، وإلزام التجار والمنتجين بتطبيق القوانين والتشريعات الصحية والغذائية.
هذه الأيام لا تكاد تتصفح خبراً أو تسمع بلاغاً إلا وفيه عنوان مروع عن الكثير من المداهمات من قبل لجان التفتيش والرقابة التابعة لبلدية محافظة القطيف، وكشفت الجولات التي قام بها مفتشو صحة البيئة على عدد من المنشآت الغذائية بضبط مخالفات ضارة في وسائل النقل والتداول والتخزين والحفظ للعديد من الأغذية، وعدم التزام البعض من أصحاب المطاعم ومحلات بيع الأغذية بالضوابط الصحية، والتي تم على أثرها إتلاف العديد منها، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان حماية صحة المستهلك.
فليس مفاجئاً أن تشاهد مناظر القرف والاشمئزاز والروائح الكريهة، فضلاً عن ذلك، ما تحمله تلك المداهمات من مسببات الأمراض الخطيرة والأوبئة الفتاكة لفرق الأجهزة الرقابية.
• بيض مائدة فاسد، أسماك تالفة، لحوم بائرة، دواجن مترهلة، خضراوات وفواكه معفنة، وجبات غذائية ملوثة، مخبوزات مسرطنة، أغذية منتهية الصلاحية، تلكم شكلت خطورة كبيرة وعواقب وخيمة على صحة المستهلك، وإلى تسممات لا يحمد عقباها.
نترك هؤلاء الجزارين والسماكين والخبازين والخضارين وأصحاب المطاعم ومحلات بيع الأغذية وأمثالهم يعرضون بضائعهم في حالة تعافها النفس دون خوف أو مبالاة! وما نراه من مداهمات من فرق المراقبة في البلدية، لإزاحة هذا الخطر المحدق، وفرض عقوبات رادعة لكل من تسول له نفسه الإضرار بصحة وسلامة الناس.
جهود مبذولة من قبل المراقبين الصحيين - وفقهم الله تعالى- لمتابعة سلامة ما يقدم للناس من مأكولات؛ من خلال الجولات التفتيشية التي يقوم بها الاختصاصيون والأطباء البيطريون والمراقبون الصحيون، للتأكد من تطبيق الاشتراطات الصحية في المنشآت الغذائية.
شاهدنا صوراً ومقاطع فيديو، توثق الدور الذي تقوم به الجهات المسؤولة عن مراقبة المطاعم، والأسواق الشعبية، ومحلات بيع المواد الغذائية، لابد هنا من التوقف والتأمل بعمق.
إن المستجدات الحديثة في مجال الرقابة الصحية تشير إلى زيادة الثقة في الأجهزة الرقابية، وتبديد مخاوف المستهلك، وإقناع كل من المستهلك وصاحب المنشأة الغذائية بجميع الجوانب الاحترازية، وتأثيراتها الصحية.
إن مسؤولية الجهات الرقابية في أمانة المنطقة الشرقية هي وضع قيود على صاحب المنشأة بتدريب العمالة في دورات مكثفة فيما يتعلق بمستواهم التعليمي العام والخاص بعلوم الأغذية، قبل ممارسة العمل بهدف الارتقاء بمستوى العاملين وتحسين طريقة الأداء للحد من التجاوزات، وضمان اتباعهم القواعد الصحية السليمة في كيفية التعامل مع الأغذية أثناء ممارستهم العمل، فقد شرعت مراكز تدريب العمالة التابعة للأمانة داخل المملكة، بتأهيل العاملين في مجال سلامة وصحة الأغذية من أجل توفير العمالة المدربة.
• مواصفة - القواعد العامة لصحة الغذاء GSO
1694/2005 - بند 8/4 متطلبات التدريب.
أعتقد أن الأجهزة الرقابية قد نجحت إلى حد ما في نقل مفهوم الدور الرقابي وأثره في الحد من حوادث التسمم الغذائي.
القيام بالجولات التفتيشية على المنشآت الغذائية بشكل دوري منظم حسب تصنيف درجة الخطورة، إضافة إلى الجولات التفتيشية غير المجدولة بناءً على نتائج جولات التفتيش السابقة لضمان التزام المنشآت الغذائية بالضوابط الصحية والاشتراطات الفنية.
بالرغم من التوعية الكاملة والشاملة والجولات التفتيشية المجدولة والمداهمات المفاجئة التي تقوم بها الجهات الرقابية على المنشآت الغذائية، إلا أن هناك مخالفات لا تزال تحدث في هذا المضمار، وما دام ديننا يقرر "لا ضرر ولا ضرار"، فلماذا يصر البعض على الإضرار والإيذاء!
هل حدث لدينا موت ضمير أو قلة وعي أو استهتار؟ هذا السؤال - مثير للحزن - يتبادر إلى الذهن كلما وقفنا محتارين أمام أكوام الأغذية الفاسدة، التي يتم ضبطها وإتلافها في الحال.
أكوام لحوم بائرة ملقاة على الأرض في مسالخ عشوائية للعفونة والبلى، وبيض مائدة تم تخزينه وتداوله في درجة حرارة تصل إلى 37° س، وفساد الأسماك وتسممها أو عدم صلاحيتها للأكل، وخضار وفواكه معفنة، ومطاعم ومحلات أغذية لا تتقيد بالضوابط الصحية.
هذه أمثلة وغيرها الكثير نراها باستمرار على الواقع، و في المواقع الرسمية، ووسائل الإعلام، وعبر قنوات التواصل، من أكبر الحوافز التي شجعتني على أن أتحدث عن دور الأجهزة الرقابية في مواجهة القرف والاشمئزاز؛ من أجل التأكد من سلامة ومأمونية وصلاحية الغذاء.
تسمم أناس أبرياء، يعاقب عليها صاحب المطعم أو المنشأة الغذائية، بإقفال المطعم، والغرامة المالية، كل ذلك قابل للتعويض بعد أن يفتح المطعم أو المنشأة من جديد، ويتسمم ضحايا جدد، وهكذا.
من هذا المنطلق يكون عبء مقاومة هذه التجاوزات مسؤولية مشتركة بين وعي المستهلك وصرامة الرقابة، في وقت ينتقد البعض ضعف الرادع للمخالفين والذي يتراوح فيه إغلاق المنشأة والغرامة، فمن المهم تغليظ العقاب بما يتوافق مع حجم الجرم، هؤلاء همهم توسعة تجارتهم وزيادة أرباحهم، يحكمهم المال وحده.
يبدأ دور المستهلك في حماية نفسه من حوادث التسمم الغذائي والأمراض الغذائية، مع بداية التفكير في التسوق، والأكل خارج المنزل، حيث يفضل أن يختار المنشأة الغذائية ذات السمعة الجيدة والمحلات التي تهتم بالنظافة العامة، ونظافة العاملين بها ومدى التزامهم بالسلوكيات الصحية، فعليه أن يكون "عين رقيب" يبلغ الجهات المختصة "البلديات" من خلال مركز البلاغات 940. عند ملاحظة أي مخالفة.
• مواصفة - القواعد العامة لصحة الغذاء GSO
1694/2005 - بند 4/7/4 بند توعية المستهلك.
الزيارات الميدانية مرتبطة بخطة مجدولة أو ببلاغ أو شكوى من جهة متضررة؛ فالمراقب لن يرابط في المنشأة طوال يومه وليله، فإن المخالفات ستقع والممارسات نفسها ستمارس في غياب عين الرقيب، وصاحب المنشأة ضعيف الضمير لن يغير ضميره مراقب، والعامل الذي لا يدرك خطورة التسممات الغذائية ؛ لن يتعلم أصول السلامة من المراقبة عليه فقط، والزبون الذي لا يعرف ما يجري داخل كواليس المنشأة لن يدرك مأمونية وسلامة ما يتناوله من غذاء.
إن سلامة الغذاء ليست مسؤولية الجهات التشريعية والرقابية فحسب، بل إن هناك أطرافاً عديدة يجب أن تشارك في تحقيق هذا الهدف كل في حدود معرفته ومسؤوليته.

حقيقة ليست الأجهزة الرقابية وحدها التي تضع نفسها في خدمة المواطن، بل إن جميع المرافق الحكومية وجدت لتخدم المواطن وتسهر على راحته وهذا مرام ولاة الأمر - حفظهم الله - وأما الدور الذي يمكن أن يسهم به المواطن هو الحرص على حفظ صحته وصحة أسرته واتقاء المخاطر الصحية من خلال التفاعل وسرعة الإبلاغ عن كل تجاوز سعياً نحو الأفضل.
وأخيراً دعوتي للجميع بالصحة والعافية، ودعوتي إليك أيها المستهلك بالتحرز واليقظة، لتكون عوناً للجهات الرقابية في الإبلاغ عما تراه من تجاوزات، لتحقيق أقصى فائدة ممكنة لتوعية أصحاب المنشآت الغذائية والمواطنين مع البلديات، وذلك لتوفير الخدمة المطلوبة والحرص على السلامة العامة، وهذا التعاون بين البلديات والمواطنين هو سر نجاح العمل البلدي.
وكلمة حق يجب أن نقولها وهي أن الإنجازات في قطاع صحة البيئة في بلدية القطيف وعلى رأسها الرئيس النشط المهندس محمد الحسيني، وصلت إلى أعلى مستوى من الخدمات نتيجة اهتمام المسؤولين بوزارة الشؤون البلدية والقروية.
إن هناك جهوداً مشكورة تقدمها البلدية وأمانة المنطقة الشرقية في مراقبة ومتابعة التزام المطاعم والمنشآت الغذائية بالضوابط الصحية.
شكراً أيها المراقبون، شكراً أبطال صحة البيئة، أصحاب كفاءة عالية، وخدمات مهنية متميزة، أنتم تُقدّرون قيمة الصدق، وتعرفون للأمانة حقها، وتمتازون بشرف المهنة، تساهمون في حماية وتعزيز وإبراز الصورة المشرقة والمتميزة لسلامة المواطن وصحته، هذا السلوك نابع من محبتكم وإخلاصكم وولائكم لوطنكم المعطاء، تعملون وتبدعون من أجله والنهوض به، ولن تألو جهدًا في تحقيق مقاصد ولاة الأمر حفظهم الله، وفق الله الجميع لكل ما فيه خير هذا البلد، وهو ولي التوفيق.
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.


error: المحتوي محمي