من المؤسف حقيقة أن يقدم البعض وبكل جرأة على تنظير الناس وقراءة ما في ضمائرهم وتشخيص سلوكياتهم وأخلاقياتهم من خلال تصوراتهم الشخصية الواهمة، وتحليلاتهم البعيدة عن الواقع والمنطق والإنصاف.
هؤلاء الأشخاص للأسف الشديد يبنون ما يبوحون به وبعيداً عن الحكمة وحسن الظن وفقاً لأهوائهم وعواطفهم الشخصية البعيدة عن الإنصاف، وظنونهم المجحفة في حق غيرهم من البشر، دون أن يتوقفوا للحظة ويراجعوا أنفسهم، ويلتمسوا لغيرهم العذر لأقصى حدوده، بل ويعتقدون إن هم أخفقوا أن لغيرهم عذراً لم يصيبوه إن هم أرادوا حسن نية بغيرهم، فما بالكم لو بنوا أحكامهم على أوهام نسجتها خيالاتهم، ربما في لحظة غضب أو طيش أو إضمار سوء نية.
من الذي أعطى هؤلاء حق التنظير، وبأن يصنفوا الناس على هواهم، بين حاقد ومنافق وكذاب وعديم تربية وعصبي وحساس ومخالف لشرع الله والقانون إلى غيرها من الاتهامات التي طالت مختلف عباد الله من غير وجه، وصاروا يلجون حتى لتاريخ البشر وما مرت به تربيتهم ونشأتهم ليبنوا عليها اتهاماتهم وأحكامهم الباطلة والخطيرة.
إن هذا الأسلوب في الطرح والإيحاء هو اتهام الناس بالباطل من غير وجه حق حتى وإن كان بصفة عامة، وهو افتراض خطير يضرب في المجتمع الواحد ويخلخل أركانه، ويهز ثقة أبنائه في بعضهم، ولسوف يصبح هذا المجتمع هشاً ضعيفاً ومفككاً في لحظة ما، إلى أن ينهار ويفقد ترابطه ونسيجه، وهذه الصورة إن تكررت وتكررت ومن أكثر من طرف، فسوف يسود سوء الظن والريبة والتوجس ويأخذ بأبناء المجتمع أي مجتمع إلى الانفلات والضياع.
من الأفضل لهؤلاء والذين ظنوا أنهم ملكوا مفاتح البصيرة، وتفردوا بالرشاد والإرشاد، وأنهم الوحيدون الذين يعلمون جادة الطريق ويحترفون فنون العلم والمعرفة، ويخترقون مكامن النفوس فينبئوننا عن يقين موهوم ما يضمره غيرهم استباقاً، نقول من الأفضل لهم أن يعتبروا ويلتفتوا لأنفسهم ويصلحوها ويهذبوها ويطهروها ثم يجتازوا طريق العصمة حتى يمكن الأخذ بأقوالهم وأفعالهم وحركاتهم وسكناتهم بالسمع والطاعة.
لا يحق لأحد أن يضع نفسه موضع القديس المنزه وينظر الناس ويكيل لهم التهم جزافاً وبشكل عام وخاص دون حسيب أو رقيب، وإنه لأمر خطير جداً على بنية المجتمع الواحد وأفراده وأسَرِه، ونجزم أن هؤلاء ربما ابتلاهم الزمان بمواقف انعكست على نفسياتهم فأصبح لديهم ما يشبه العقدة والنقمة على غيرهم فصاروا لا يتناهون عن صب جام غضبهم على غيرهم كلما سنحت لهم الفرصة، ولعل بعضهم مصاب بداء النرجسية والعظمة والخيلاء، فتراه يقسم الناس بفئوية وعصبية جاهلية، وكأنه قابض من فوق عرشه الوهمي على صولجان سليمان، ظاناً أنه أنزه الناس وأنقاهم دون مراعاة لدين أو مروءة.
أي جرأة على الناس أعظم من هذه والتي تأخذ بصاحبها إلى التهلكة والهوان من حيث يدري، والمشكلة أن هؤلاء يعيشون بيننا، ولم يأتوا من كوكب آخر حتى نلتمس لهم العذر، وهنا المصيبة حين يقدم أبناء جلدتك على جلدك، وربما هو قريبك أو صاحبك أو رفيق سفرك أو دراستك أو خلافه، فتكون له كمثال يبني عليه نياته وإن لم يحددك بالاسم، لأنه قد عناك فعلاً وإن بالتعميم، وذلك أدهى وأمر حين يضر مجتمعاً بكامله.
التصدي لهؤلاء وتوجيههم ضرورة ملحة أياً كانوا أو ظنوا بأنفسهم، فهم يسببون فعلاً ترسبات وعقداً اجتماعية عامة ربما لا يمكن حلها إذا ما تركوا على حالهم، وهم آخذون في التمادي ويظنون أنهم يحسنون صنعاً، خاصة إذا ما صدف ووجدوا أن من ورائهم مطبلون ومصفقون يوهمونهم أنهم الوحيدون الذين يملكون مفاتيح الصواب.



