إذا كان العنوان هو عتبة النص الأولى- لأي عمل أدبي أو غير أدبي- والتي تحاول عكس روحه بشكل تام أو جزئي فبإمكاننا القول بأن عنوان المجموعة الشعرية (كرز) للشاعر علي مكي الشيخ قد استطاع ذلك بشكل شبه تام، إذا يتنقل الشيخ بين كرز الذات والحديث عنها وبين كرز الحبيبة وما يثيره في النفس من مشاعر في نصوصٍ جاءت على شكلِ بيتٍ أو بيتين؛ صغيرةً كحباتِ الكرز، ولا أشك أن الشاعر قد وضع العنوان في أجندة أولوياته حين وازن بين طريقة العرض وَنوع القصائد وفحواها، لأنه قد يكون عنوانًا غريبًا عن عمل أدبي بمواصفات أخرى.
هذا النجاح في العنوان هو الذي دفعني كي أبدأ مقالي هذا بالحديث عنه، ومن الحديث عن العنوان أنتقل إلى مقولة النفري المعروفة "كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة" ولعل الشاعر كان مؤمنًا بهذه المقولة حين كتب قصائد مجموعته هذه؛ إذ أنه ضَيَّقَ العبارة قدر المستطاع كي تنسكب الرؤيا الواسعة في القدح الذي اختار له الشاعر أن يكون صغيرًا.
يضعنا الشاعر وإياه أمام تحدٍّ كبير؛ فمن ناحيته هو: تجربة الكتابة في شعر الومضة والذي هو وسيلة من وسائل التجديد الشعري، أو شكل من أشكال الحداثة التي تحاول مجاراة العصر الحديث.. ويمكننا تعريفه بأنه لحظة أو مشهدٌ أو موقفٌ أو إحساس شعريّ خاطف يمّر في المخيلة أو الذّهن يصوغُهُ الشاعرُ بألفاظٍ قليلةٍ.
فهل سيواجه الشاعر هذا التحدي بنجاح ويقبض على دهشتنا بشكل كامل؟
ومن ناحيتنا كقرَّاء؛ أعود لعبارة النفري وأتفق معه فيما قال لكنني أطرح تساؤلاً:
كون كل قصائد المجموعة هي عبارة عن بيت أو بيتين ومع احتمال عدم اطلاع القارئ على تجربة الشاعر كاملة؛ هل يمكن لهذه المجموعة أن تعكس ولو جزءًا بسيطًا من تجربته؟
وكناقدٍ كيف سأقطع باليقين إن كان الشاعر يتعمد الاختصار أم خانه النفس الشعري الطويل؟
وقد يتبادر لذهن أحدهم: هل الطول هو معيار جودة القصيدة؟ فأقول: بالقطع لا؛ لأن جُمْلَةً حَيَّةً واحدة قد تعادل عشرات الكتب التي بلا روح.
تتراوح قصائد المجموعة بين الإدهاش والعادي، وإن كان مدهشها أكثر من عاديها الذي سنبدأ به، لكن هل المقصود بالعادي من ناحية الصور؟ أبدًا، فلا يوجد مقطع في المجموعة خالٍ من الصور الشعرية، لكنني أتحدث عن كونها (عادِيَّةً) بسبب عدم ربط تلك الصور ببعضها، ولنأخذ مثلًا:
ترتديني كَفٌّ
بخيطٍ من الوهمِ
رتوشًا
تمارسُ التأويلا
فتكاثرتُ
في مراسيم دلوٍ
مَسَّدَ الشَّكَ
فابتكرتُ الرسولا
لن أتحدث عن البيت الأول على الرغم من وجود حاجة ماسة للوقت كي يتمكن الكاتب من ربط مفاصله ولو بالقوة، سأتحدث عن البيت الثاني لأقول ما علاقة (مراسيم الدلو) - وما هي هذه المراسيم أصلا!؟ - بتمسيد الشك واكتشاف الرسول؟ وإذا قلنا بأن في البيت إشارة إلى قصة النبي يوسف عليه السلام وحكايته مع الدلو والسيارة ففي هذه الحالة سيكون البيت الأول في قارة والثاني في أخرى..
ومن الضروري هنا أن أعيد التذكير بأنني لا أناقش جمالية الأبيات وعاديتها فيما يخص الأبيات نفسها فالأبيات جميلة والصور داخلها جميلة أيضًا، لكنها تصير عادية لأنها لا ترتبط ببعضها البعض وإن ارتبطت فبخيوط العنكبوت؛ الأمر أشبه ببناء مصنعٍ فخم للحديد يكون بقربه وملاصقًا له تمامًا بقالة شديدة التنظيم وجميلة المنظر ويلاصقهما ملعب كرة قدم فخم ومستشفى! كيف سيكون المنظر العام؟
لا يمكنك إنكار جمال المصنع أو الملعب أو البقالة كمبانٍ لكن المنظر العام للمدينة سيترك في نفسك تساؤلًا وهو: ما الذي أتى بالملعب من المنطقة الرياضية والمصنع من المدينة الصناعية والبقالة من السوق وجعلها كلها في هذا المكان؟!
وعلى الرغم من هذه الملاحظة التي تكررت في كثير من المقاطع إلا أن المجموعة لم تفقد دهشتها لوجود مقاطع مثل:
زُوَّادةُ النِّسيان
خَانتْ أَدْمُعَهْ
وَالضَّوءُ ينتهكُ
الثقوبَ الموجَعَةْ
والصمتُ
منفاهُ الأخيرُ
ملاذهُ
عيناكَ
يا من قد أتاكَ لِتَجْمَعَهْ
حيث نلاحظ جمال الصور وارتباطها ببعضها البعض وهذا ما قلنا سابقًا بأنه ينقص بعض المقاطع الأخرى..
كذلك قوله:
أتمرتَ جوعَ محبتي
وظمئيَ لكْ
أنا في الصبابةِ
غارقٌ
قد أثملكْ.
والالتفاتة الجمالية هنا هي (ظمأ الغارق) التي دار الشاعر في فلكها وقاربها في مقطع آخر حين قال:
الماءُ يَشْرَبُنِي
فَأَمْلَؤُهُ ظمأً
ولنأخذ مثالًا آخر دالًّا على براعة الشاعر:
بَعْضِي يُغَافِلُ بَعْضِي
في مغامرةٍ
تَوَعَّكَ الظِّلُّ فِيها
وانحنى قَدَرِي
الجمال هنا بإسباغ الحياة على الظل وأيضًا القدر إذا كان يقصد ظهر الظل بقوله (وانحنى قدري).
خلاصة القول بأن المجموعة مدهشة شرط وجود خيط يربط بعض دهشتها ببعض.
تأتي الومضات مرة بشكل كامل ومكثف، وفي البعض القليل ناقصةً يبقى المتلقي بانتظار تتمتها..
بعض المقاطع مدهشة، بعضها قمة الدهشة، بعضها عادي تمر عليه ولا ترجع له وآخر تبقى متسمرًا أمامه لبرهة وأحدها لا تستطيع مغادرته، أو تبتسم لقراءته وجمال الالتفات والاقتناص به، وكثيرة هي الملاحظات الإيجابية التي تستحق المجموعة استعراضها ولا تستطيع هذه الورقة السريعة والمختصرة الإلمام بها كاملة، لكنني أشير لجانب جمالي آخر يستحق الوقوف عنده وهو تطويع اليومي الذي تميز به الشعر المحكي باللهجات الدارجة أكثر من الشعر العربي الفصيح:
متى أراكِ!!
ليلقى القلبُ مأمولهْ!
ترفقي..
إنَّ روحي فيكِ مبذولةْ
ألقي عَلَيَّ عَصَا الوَعْدِ
التي انكسرتْ
فَكَمْ تَكَرَّرَ مِنْكِ القَولُ
(مَشْغُولَةْ)
بعد هذه القراءة السريعة، هل نستطيع القول بأنَّ علي الشيخ نجح في تجربته؟
الجواب: نعم!
يمكننا القول في نهاية هذا المقال المقتضب بأن (كرز) تجربة ناجحة على الرغم من بعض الملاحظات، لماذا تنجح رغم الملاحظات؟ الجواب هو سؤال آخر، هل يوجد عمل أدبي بلا ملاحظات؟!



