إنّا لله وإنّا إليه راجعون، نقولها في المصيبات..
وأي مصيبة توازي مصيبتنا فيك أيها الرجل المحترم والناشط الاجتماعي المخضرم الحبيب..
معذرة أخي نعيم، من أي صفحة أقرأك لأبلغ معرفة ما أنت وأرصد آثارك التي تركتها يتيمة تنعي الفراق.
نعم أحبتي أخونا الأستاذ نعيم المكحل ناشط اجتماعي نذر نفسه من أجل وطنه وخدمة دينه ومجتمعه، نعم أخوتي أبو عبدالله كان أيقونة العمل التطوعي المتعددة المنافع في مجال الخدمة الاجتماعية، فعمره طويل بتلك الأعمال واللجان التي شارك فيها سواء في سيهات أو خارجها منذ أيام شبابه تشهد بذلك، والجميع سينعاه بحرقة الفاقد للأخ والعضيد والإنسان الذي لا يتكرر، حيث الصفاء يلوح من ابتسامته وصدق السريرة يتدفق من بين شفتيه كلما نطق وعبر عن رأيه في شأن من شؤون الحياة الاجتماعية التي تجمعنا معه ونلتقيه من أجل أن نتناقش ونتطارح من أجل رقيها وتطويرها..
فقيدنا الغالي أنشطته كثيرة ولست بالشخص المناسب ليحصيها أو يحصي بعضها لأنه كان يعمل بشكل وبأسلوب "الدال على الخير كفاعله"، ولهذا سنسمع مع الأيام ما يسر الخاطر عن تلك الأعمال والبرامج التي شارك فيها أو نفذها أو دعا إليها من خلال رفقاء دربه الذين كان يعمل معهم، ولعلي جزء ضئيل من تلك الثلة المؤمنة الطيبة المثابرة التي خالطته واشتغلت معه يوماً من الأيام..
وهذا ما أسفت عليه الآن بأنني رغم معرفتي به كناشط اجتماعي إلا أنني لم أوفق للعمل الكثير معه في النهوض بمشاريع ومبادرات مجتمعية برفقته لأحظى بالتدرب على يديه وأتعلم منه فنوناً كان فارسها، ولكننا كنا نعرف بعضنا بأن كل ناشط اجتماعي هو مكمل للآخر ومثبت لأقدامه ومعين له على تحقيق أهدافه ورسالته، وهذا بحمد الله ما كان يسعدني حين ألتقي بأبي عبدالله ويكون حديثنا عن الخدمة الاجتماعية ومعيار الجودة التي نطمح أن يكون مرتفعاً في شتى جوانبه، ولذلك أشكر الله بأن شخصًا مثل قامة أبي عبدالله كان ينظر نظرة ثقة ومحبة وتشكر لمنجزات ملتقى التطوير الاجتماعي ويشدد علي وعلى الكوادر بمواصلة الطريق..
تعرفت عليه منذ سنين الشباب في التسعينات كشاب مؤمن طموح ورسالي مهذب وصاحب أفكار ومبادرات خدمية، لفتت نظري لتلك الشخصية الجذابة الرائعة التي تبعث على الثقة والرصانة والعمل الدقيق المتقن، فكانت مخرجاتها عمل الخير والمشاركة في إدارة برامج وفعاليات حسينية الناصر، والتي استمرت سنوات طويلة حتى نشأت حملة قافلة البتول فكان من أول إدارييها المخضرمين، ثم جاء تشييد جامع الحمزة ع ليكون أخونا نعيم أحد أعمدتها الإدارية الرصينة، وهو مع ذلك كان لا يتعب ولا يكل من مشاركاته الاجتماعية التي تحتاج إلى جهد كبير كمهرجان الوفاء الذي تفخر به سيهات والمنطقة والذي بوجوده حقق قفزات نوعية فيما قدمه من برامج وفعاليات ودورات..
ولذلك أقول بأنه من حسن حظي أنني رافقته في إحدى السنين مع قافلة البتول ضمن الطواقم الإدارية للحملة سنة التأسيس.. فرأيت فيه الشخصية الحازمة المنظمة التي يهمها النجاح وتقديم الخدمة لحجاج بيت الله الحرام بأفضل وأحسن وأبهى صورة..
وشاء الله لي قبل سنتين في 2018 أننا التقينا للعمل ضمن لجنة بر الوالدين وكان أخونا نعيم عضوًا من أعضاء اللجنة الإدارية فيها، وعملنا معاً في تنسيق الفعالية في جزئية من جزئياتها الجميلة في مقبرة سيهات وتشكر منا حسن التنظيم والتنسيق ذلك اليوم فكان ذلك وسام شرف نعتز به كملتقى، وبعدها دعوته للمشاركة معنا في توزيع هدايا مسابقة بر الوالدين في مدرستنا مدرسة السلام الابتدائية بسيهات فتفضل علينا بالحضور صباحاً ضمن الطابور وقام بتوزيع الهدايا على الطلاب وألقى كلمة جميلة عليهم..
كانت تلك لمحة شخصية عن إنسان له من الأدوار المهمة في الحياة الاجتماعية ما لا أستطيع حصره لأن أخانا أبا عبدالله له أيضاً عالمه الخاص ومنهجية عمل راقية برقيه رحمه الله، فشيد لنفسه كياناً من الأنشطة الفاعلة تلائم تطلعاته وتثري المجتمع بشتى الأنشطة المفيدة، فكنت أسعد كلما سمعت خبراً عن قيام فعالية أو نشاط مجتمعي ويكون أبو عبدالله جزءًا من إدارته ليطمئن قلبي بأن العمل إن شاء الله سيكون محترماً وراقياً بوجود أمثاله فيه، ولأنني وبصراحة كنت معجباً بأسلوبه ورصانته وحكمته وشخصيته التي تجمع بين الجدية والطيبة، وبين الصراحة والنقد المؤدب، إلى جانب الشجاعة الأدبية والموقف اللبق الذي لا يخفيه أمام المخطئين إيماناً منه بأن الحياة مواقف، فكان رحمه الله لا يخشى في الله لومة لائم، وكان مستعداً للتضحية بشخصيته (الاعتبارية) مقابل مواقفه الاجتماعية في سبيل تصحيح مسار معوج يراه في هذا العمل أو ذاك...
وجرى مثل هذا الموقف قبل ثلاث سنوات تقريباً حيث أعلن حينها تخليه عن العمل الاجتماعي ونشر ذلك في صفحته على الفيس بوك، والجميع امتعض واستنكر عليه ذلك، وكنت أحد المتصلين به للسؤال وحثه على عدم الانسحاب لمعرفتي بالخسارة الفادحة التي ستخسرها الساحة الاجتماعية لو انسحب أمثاله من النشطاء، وشددت أزره ووقفت إلى جانبه حتى تراجع بفضل الله وعاد كشعلة وضاءة أنارت سماء سيهات والمنطقة بالعمل الاجتماعي المتجدد والمفيد للمجتمع والوطن..
فقيدنا الغالي أبو عبدالله كان شغفه الأكبر وهمه الأعظم هو حبه لمجتمعه ووطنه والرقي به لأعلى المستويات، ولعل من أبرز ما يحكي واقعه ومنجزاته هو مهرجان الوفاء كمثال حي ورائد إلى جانب باقي المشاريع النوعية التي شارك فيها من خلال جمعية سيهات، ونادي الخليج وأثبتت تلك المبادرات روعتها وجمالياتها وتأثيرها في نفوس أبناء المجتمع وبالأخص فئة الشباب الذين كانوا محط اهتمامه وعنايته وجهوده طوال عمره المجيد..
وهذا غيض من فيض لأنني أعتقد جازماً أن لديه مشاريع ولجانًا عدة كثيرة يعمل من خلالها سواء داخل سيهات أو خارجها أو حتى خارج الوطن، وستكشف لنا الأيام عنها وعن خيراته فيها، لأنه إنسان عالمي ورجل علاقات من الطراز الأول لا يشق له غبار، لرصانته وحنكته وخبرته الحياتية التي صقلت شخصيته الفذة، ولأنه إنسان نشط ومحب للعمل التطوعي أينما وجد، ومن العاملين في سبيل الله بصمت، ويدير عمله التطوعي بهدوء بعيدا عن الظهور إلا في الموقع الذي يفرض عليه الظهور لنشر خبر أو معلومة عن المشروع الذي هم في صدده ليتعرف الناس عليه..
أخونا العزيز نعيم طالما كان ينتقد العمل والقرار التفردي في العمل الاجتماعي، ويستنكر على بعض القيادات الاجتماعية تعاليها وغرورها واهتمامها بالظهور الإعلامي على حساب جودة العمل واستفادة الناس من مخرجاته، رابطاً ذلك بأهمية أن يكون الإنسان مخلصاً في عمله قاصداً وجه الله وخدمة عباده..
ولهذا كان شخصاً له كاريزما خاصة تفرد بها، وأسلوب إداري متوقد جعل منه أيقونة وشخصيته تطوعية مجتمعية محبوبة ومرغوبة ومطلوبة لإدارة المشاريع الخدمية والاجتماعية، وهي في نظري أبرز لفتة يمكنني الإشارة إليها من خلال رؤيتي إليه في المهرجانات ومواقع الأعمال الاجتماعية المختلفة..
وقبل أن أختم يجدر بي ألا أنسى أنه جمع إلى كل تلك الصفات الإدارية التي تُشعر الإنسان بالزهو إلا أنها لم تزده إلا تواضعاً وتذللاً لخدمة مجتمعه ووطنه، وتمثل ذلك إبان أزمة التفجيرات التي حصلت في المنطقة وأثبتت أنه كان إنساناً متواضعاً ومضحياً وفدائياً وذا نفس وطني شامخ، لا يرى في نفسه إلا ذلك الخادم الأمين لبيوت الله وحارساً أمينًا للمصلين، فقد برز في الأزمة وكأنه الأسد الضاري ليكون جزءًا من إدارة تلك الأزمة العاصفة مع إخوانه رجالات البلد الأعزاء الذين انشغلوا بهذه الأزمة وأداروها بثبات، وقدموا جهوداً مضنية لتنسيق الجهود والكوادر وتنظيمهم للعمل من أجل حفظ المساجد ومرتاديها، وكان هو قدامهم باذلاً مهجته ومضحياً بحياته وسلامته..
فسلام الله على روحك الطيبة الطاهرة يا أبا عبدالله، أفجعتنا برحيلك السريع عنا ولمّا تنضج ثمار ما غرسته في المجتمع، ولم يتسن لنا حتى توديعك في ظروف حريٌ بك أن تكون في عمقها ساعة الفرج لنفرح جميعاً بجلاء هذا البلاء والوباء عنا، ونتحاضن فرحين بنصر الله وفتحه ورحمته، لكنه القضاء المحتوم الذي شاءه الله لنا ولك بأن ترحل عنا بعد أن هنأتنا بحلول شهر رمضان المبارك وتكون أنت في أعلى عليين مع الذين أنعم الله عليهم من الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما..
رحمك الله أيها الأخ الغالي، والرسالي المتواضع..
وأخلف الله عليك بالجنة والرضوان، ومجاورة النبي العدنان وآله السادة الكرام صلوات الله عليهم أجمعين..
وعظّم الله أجورنا جميعا بفقده،
والصبر والسلوان للفاقدين من الأهل والأقارب والأصحاب جميعاً وبالأخص عائلة المكحل وآل شهاب والمطوع..
ورحمه رحمة الأبرار..
وإنّا لله وإنّا إليه راجعون..
السيد تقي مهدي اليوسف
مشرف ملتقى التطوير الاجتماعي بسيهات



