ورد عن الإمام الباقر (ع): .. والله يا أبا خالد لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار (الكافي ج ١ ص ١٩٧).
تلك الإفاضات العطائية التي تزهر في سيرة الإمام (ع) وأدائه لمهمته الرسالية التبليغية لإخراج الناس من ظلمات الجهل والغفلة وسوداوية القلب ورين الخطايا ومقارفة المعاصي، هي ما يعبر عنه بنور الإمام (ع) الذي ينتج عن حركته التكاملية لنفوس المؤمنين ممن يدينون بحبهم والولاء لهم، فكما أن الشمس المشرقة ترسل أشعتها الذهبية على البسيطة لتزيل دياجير الليل المظلم فتلبسه بردة الضياء، فكذلك هو الدور الوظيفي الذي يمارسه الإمام (ع) في رفع أوجه الظلمة من النفوس، فيبث فيها من نور المعرفة للعقول ونور الورع عن المحارم في النفوس ونور الحكمة على ألسنتهم فتعاف الخنا من القول والسفه، ويشرق منطق الصواب بإشراقة المعارف والقيم التي يبثها الأئمة مما يعالج أمراض القلوب والتعلق بالشهوات، فإشراقة العفة وطهارة النفس والتحرز عن خطوات الشيطان الرجيم هو انعكاس لنور الإمام (ع)، فإذا كان القمر المعتم يتحول إلى مصدر نور تزهو الأرض بنوره، فكيف ستغدو النفوس المظلمة بعتمة آفات الرذائل والعيوب، بعد أن تنبسط عليها أنوار أهل العصمة ممن كانوا تجسيدا عمليا لجميع الكمالات الإنسانية وبأعلى درجاتها.
فلنتصور نور الإمام وهو يقود مسيرة الهداية إلى الحق والتعريف بالمنعم المتفضل وتبيان صفاته وعظيم شأنه، ألا يمثل حينئذ الصوت الناطق الدال للبشرية التائهة في دروب الشبهات والتخبطات الفكرية والرؤى الخاطئة، فالإمام (ع) يحمل هم تنظيف العقول من عتمة الجهل والانحراف العقائدي من خلال بث المعارف الحقة والأدلة على طريق معرفة الحق وطاعته.
ونور الإمام المعصوم يتجلى في صفاء النفوس وتنقيتها من شوائب الشهوات المتفلتة والأهواء الساحقة لإنسانية المرء وكرامته وسلبه حرية الإرادة، فينشر الإمام (ع) أنوار الدعوة إلى الرفعة والشرف والعفة والاستقامة، فمتى ما تحلى المؤمن بأنوار التقوى والاستقامة تجلت منه البصيرة الواضحة، وهذا ما يفرض علينا تعاهد الجوارح عن الانزلاق إلى مهاوي الخطايا، من خلال محاسبة النفس وتجديد العهد باستمرار مع التوبة النصوح والاستغفار.
وليس هناك من عامل يجذر الاستقامة والثبات في النفس كالاقتداء بسيرة الأئمة المعصومين، والذين جسدوا في سيرتهم علائم الانقطاع إلى الله تعالى وخالص العبودية له تعالى وأداء المهمة التبليغية بكل ما أوتوا من قوة واقتدار، فمن أراد الفوز بالسعادة في الدارين فليقتف أثرهم الإيماني والأخلاقي، ولا خلاص من ظلمة التيه الأخلاقي والقيمي إلا بأخذ قبس من نور العترة الطاهرة (ع)، إذ هم نور الله تعالى الذي يسطع على المعمورة بأنوار الهداية والأخذ بأيدي الطالبين للقرب الإلهي والتكامل النفسي، فمحبة الأئمة الأطهار تأخذ بالنفوس نحو النور الإلهي الأبهج متى ما تحلت بالتقوى، إذ الورع هو النور والمظهر الحقيقي للتمسك بولايتهم والأخذ بحجزتهم.
والنفوس التي تئن اليوم من الانحراف الفكري والعقائدي والسلوكي المتفلت، تهفو نحو المخلص لها من هذه الظلمة فيخرجها إلى أنوار الطاعة للخالق وحاكمية العدالة الاجتماعية.



