في حادثة فردية عام 1397 هـ، أصيبت واحدة من بنات عائلة السيد حسن البحراني بمرض اضطر أهلها بعد أن أُصِيبت بارتفاع في درجة الحرارة، لأن يهرعوا بها للمستشفى لعلاجِها عند الدكتور "عبد الحكيم"، والمشهور حينها كالعَلَم في منطقة القطيف، إلا أن العائلة تفاجأت بقدوم الإسعاف إليهم؛ ليخبروهم بأمرٍ مؤسفٍ، فقد كانت ابنتهم مصابةً بمرض "الكوليرا" المُعدي، وتم تطعيمهم فردًا فردًا تطعيمًا إجباريًا، واصطحاب الابنة المُصابة ووالدتها وابن أختها الصغير؛ لإخضاعهم للحجر الصحي لمدة 14 يومًا، وهي المدة المخصصة للحجر الصحي لمصابي وباء الكوليرا في ذلك الوقت، مع أخذ عينات كذلك من الجميع للخضوع للفحص الطبي.
هذه الحادثة المؤلمة جاءت بعد سبع سنوات من تفشي مرض الكوليرا في المنطقة، وهي الحادثة التي غابت عن تصوير أحداثها كاميرا السيد أسعد البحراني، فرغم أنه عرف عنه تعلقه بالتقاط أغلب الأحداث والمناطق في بلدته القطيف، إلا أن صغر سنّه في ذلك الوقت غيب هذه الفترة من الانضمام إلى أرشيف ضخمٍ يحملُ الكثير من الخبايا والشخوص والأحداث التاريخية والأمكنة في بقعة الخُطّ بصورٍ وثّقتها كاميرتهُ التي تتجوّل معهُ أينما كان؛ لتشهد فيما بعد على ما لم نرهُ وما لم نعرفه.
البداية
بدأ السيد أسعد البحراني هواية التصوير منذُ عام 1401 هـ، حيثُ كان والدهُ يجمعُ الصورَ ويحتفظ بها، فأعجبتهُ الفكرة وقرّرَ أن يحذو حذوهُ، وفي البداية اهتمّ بتصوير الأطفال، خاصة أنّهم سيكبرون وتتغيّر ملامحهم، وقد استطاع أن يحتفظ بصورٍ تربو سنينُها على الـ40 عامًا، فمنهم من تزوّج وأنجب وآخرون هاجروا للدراسة، والبعض رحلَ عن الحياة مبكرًا، ولكنّ "البحراني" تنبّه فيما بعد إلى أنّ عدد كبار السن قلّ كثيرًا عن السابق فانتقلَ اهتمامهُ إليهم مترصّدًا أماكنهم ومحافلهم وحرفهم المختلفة وقسمات وجوههم.
ويقتني السيد أسعد في ألبوماته الخاصة الآن ما يفوق 8000 صورة، وفي هاتفهِ الخاص ما يُجاوز 5000 صورة، كما أنه يحتفظ بفلاشات وأقراص مدمجة تحتضن كنوزه كلما تزاحمت لديهِ الصور.
الأولى وأخواتها
امتلك "البحراني" أول كاميرا من نوع "كوداك" بطريقة السحب، ثم اشترى لهُ كاميرا بقيمة تفوق الـ 100 ريال قليلًا، وكانت صغيرةً جدًا "بحجم الكيت كات"، على حدِّ وصفه، واستطاع بواسطتِها توثيقَ الكثير من الصور، ثم تتابعت ماركات وأنواع الكاميرا لديه، فاقتنى ممن الماركات؛ كولمبس وسوني؛ رغبةً منهُ في التوسّع زيادةً على ما لديه.
ويقول عن تلك الكاميرات: "كانت الكاميرات في البدايات لا يحمل الفيلم فيها سوى 24 صورة فقط، ثم أصبحت 36 صورة، حتى جاء بعدها عهد الديجيتال المفتوح".
وحصل "البحراني" على كاميرا مهداة من أحدهم بلغت قيمتها 12 ألف ريال كان قد اشتراها الأخير ليتعلّم عليها في بداية ظهور الديجيتال، ثم أهداها للسيد بعد أن اكتشف أنّ ميولهُ لا ترتبط بالتصوير.
ويتجاوز اهتمامه بالكاميرات إلى أجهزة أخرى ترتبط بها، ومن ذلك جهاز عرض "بروجكتر" قديم لعرض الصور، اشتراهُ عام 1402 ھ، بقيمة 1800 ريال، وقد كان المبلغ كبيرًا في ذلك الوقت، لكنّ عملهُ في البحر في حينها مع الحاج جواد عتيق كان يدرُّ عليهم الخير الكثير.
أقربهم لقلبه
التقط "البحراني" المنحدر من مدينة القطيف وتحديدًا حي الجراري باب الشمال، ما يفوق الـ 300 صورة لمنطقة القطيف، لكنّ أعزّ صورة لقلبهِ كانت لمنطقة القطيف كاملة وقد التقطَها في فجرِ صباحٍ باكرٍ في جوٍ صافٍ من جهة الغرب عام 1424ھ، من سطح عمارة البيات بالقرب من البنك الأمريكي، وكانت العمارة حينها في طور البناء، هذه الصورة تظهر القطيف فيها بامتدادها من جانب الدفاع المدني وحتى خزانات منطقة الجارودية.
أبو الليرات
يتابعُ المهتمين بالتصوير وتوثيق مجريات وأحداث القطيف وناسها، ويحبُّ من محبي تصوير التراث عثمان أبو الليرات المُكنّى بـ"أبي علي" وعنه يقول: "أدينُ له بالفضل دائمًا في كونه يثيرُ حماسي ويشجعني على هذه الهواية".
استديو أبو السعود
يتحدّث "البحراني" لـ« القطيف اليوم» عن مهنتهِ في عيون أبناء القطيف فيقول: "بالنسبة للتشجيع، فأنا أرى أن أبناء القطيف لا يهتمون كثيرًا بهذا الجانب، وربّما ينحصر اهتمامهم في استمتاعهم بمشاهدة الصور فقط، لكنّني شخصيًا لمستُ التشجيع بصورة كثيرة عند جماعةٍ من أهالي الخويلدية، حيث وجدتُ عندهم اهتمامًا كبيرًا بهذا الجانب، وقد دعوني للمشاركة والانضمام إلى رحلات خاصة كانوا ينظمونها لأجل التصوير".
وتحدث عن واحدة من أغرب الصدف في حياته: "مررتُ ذات مرة باستديو أبو السعود فوجدتُ - ويا للعجب - الكثير من الصور القديمة مرماة في كرتون، فما كان منّي إلا أن استأذنتُ بأخذها، وامتلكتُ بعضها ووزّعتُ الآخر، كما أعطيتُ الباقي لسيد حسين العوامي للاحتفاظ بها في متحفه، وأعتقد أنّ هذه القصة تثبتُ شيئًا من وجهة نظري أنّ الاهتمام بهذا الجانب لا يقدّرهُ الكثيرون".
أعياد وصورة
يمارس "البحراني" طقوسًا خاصة مع صوره، من ذلك ما ذكره: "في كل الأعياد يكونُ عرض الصور القديمة بالبروجكتر بعد تناول غداء العيد من طقوسي الخاصة التي أحرصُ عليها دومًا للاستمتاع، وأتمنى من أولادي وأحفادي الحرص على تراث أبيهم هذا حتى لا يضيع، فهو إرثٌ عظيم يحوي الكثير من الذكريات الموثقة للقطيف ورجالها وأبنائها، بل هو تاريخٌ للمنطقة التي اندثرت بعضٌ من معالمها وحلّت مكانها معالمُ أخرى، الصور عندي عزيزةٌ جدًا، ويُحزنني ألا أرى هذه المعزّة عندهم أيضًا".
الرطوبة أتلفتها
اكتشف مؤخرًا أنّ الرطوبةَ أتلفت ما يزيد على الـ200 صورة، كان يحتفظُ بها بداخل حقيبة، حيث كانت الصور سلايم والفيلم ملونًا لكنّ الرطوبة أتلفتها جميعها.
جنازةٌ مهيبةٌ
يحتفظ السيد أسعد بصور عدد من علماء المنطقة، ولديه صور فوتوغرافية لمشايخ القطيف منهم؛ شيخ إبراهيم الغراش، وشيخ علي المرهون، وشيخ سعد أبو السعود، وقد وثّق بكاميرتهِ تشييع جنازة الشيخ عبد الحميد الخطي، رحمهُ الله.
ويحرص "البحراني" على تصوير الكثير من المهنيين فوتوغرافيًا وفيديو، لا سيّما المهن التي أوشكت على الانقراض مثل صناعة الكرّ والحدادة الخاصة بالزراعة والغزل وصناعة الحصر والطبخ للمآتم والأعراس.
ويذكر الموقف العظيم الذي مرّت بهِ القطيف وتمنّى تصويرهُ ولكنّهُ لم يتمكّن من ذلك لصغر سنه حين كان في الحادية عشرة من عمره، وهو تشييع جنازة الشيخ فرج العمران، لكنّه يتذكر التفاصيل الدقيقة للجنازة: "خلعَ الجميع نعلهم وخرجوا حفاةً للتشييع في موكبٍ مهيب لم يغِب عن ذاكرتي ولم تشهدهُ القطيف من قبل".
صورٌ ومعارض
اشترك "البحراني" في أحد المعارض التي أقامتها الشؤون الاجتماعية، ولكنّ التجربة لم تنل إعجابهُ بسبب استبعاد إحدى صوره لأنها تحمل صورة رجل عجوز يدخّن الشيشة باعتبارها تحثّ على التدخين، يقول: "أزعجني ذلك رغم أن أحد الحضور المتواجدين كان يدخّن أمام الملأ عند افتتاح المعرض دون لفتة اعتراضٍ منهم على ذلك".
وشاركَ كذلك في معرض جمعية القطيف الخيرية عندما كانت الجمعية في بداية افتتاحها بحي الحسين، ولا يزال يحتفظ بصورهِ المشاركة فيها، موثقًا ذلك بالفيديو.
معالم متغيّرة
يحتفظ السيد بالكثير من صور معالم القطيف التي تغيّر بعضها أو تبدّلت أماكنه، ومن بين صورهِ المحفوظة ميناء القطيف القديم، فقد مرّت على القطيف 3 موانئ، كان أولها بشارع القدس بجانب البنك الفرنسي الآن، ثم مكان الهلال الأحمر حاليًا، حتى تحوّل لمكانه الحالي بالمجيدية.
ترحّموا عليَّ
يتحدث "البحراني" لـ«القطيف اليوم» عن هوايتهِ العزيزة لديه فيقول: "يلومني الناس أن صوري لا تحملُ توقيعًا خاصًا بي، لكنّني أخبرهم أنّ معزة تلك الصور عندي تمنعني من تشويهها بهذا التوقيع خوفًا مني عليها، لقد تركتُ صفحتي بإنستجرام وفيس بوك مفتوحة ليتسنّى لجميع أبناء القطيف النهل منها متى ما أرادوا ذلك، بل إنّني ذهبتُ للمكتبة العامة بالقطيف وعرضتُ عليهم سحب أي صورة أو مقطعٍ يعجبهم حتى تبقى شاهدًا لي وبابًا للترحّم علي بعد رحيلي".
وأضاف: "أتمنى فقط أن تُحفظ حقوقي بالإشارة إلى أنّها من أرشيفي الخاص، إنّ قيمة الصور الحقيقية بالنسبة لي بمشاهدة الناس لها وليس الاحتفاظ بها فحسب كما يفعل بعض هُواة التصوير، وكثيرٌ من الناس ولله الحمد تشكرُ فيّ هذا الجانب الذي قد يبخل بهِ غيري من المهتمين بالتصوير".
سبعُ صنائع
يمارسُ "البحراني" العديد من الهوايات المختلفة بجانب التصوير، كصيد السمك والسباحة والزراعة للخضراوات الموسمية، ويهوى الاحتفاظ بالأشياء الأثرية القديمة، ومن ممتلكاتهِ الخاصة حذاء زواج أبيهِ قبل 70 عامًا وهو ما يعرف بـ "الزبيري"، فقد لبسه والدهُ لمدة أسبوع ثم تركه، وكذلك منجلهُ الخاص، كما يحتفظ بجوازِ جدّه رحمه الله الذي لم يره.
وتضاف إلى هوايته هواية الإنشاد التي يمارسها منذ الصغر، فقد كان يستهويه صوت قارئ الموالد المعروف والمشهور بقراءة الموالد بمنطقة القطيف في ذلك الوقت المرحوم سيد أحمد والد سيد أمين، وقد زاولَ أول مرة الإنشاد في زواج الحاج المرحوم حسن العطل حينَ دعوهُ لإنشاد المولد فلم يتردّد، مع شعورهِ بشيءٍ من الخوف والرهبة لمواجهة الجمهور، لكنّهُ سرعان ما كسر خوفه بالممارسة لذلك حتى يومنا هذا، كما يتوّج ليالي رمضان بتلاوتهِ لكتاب الله الكريم وحرصهِ على ذلك.
لمحة خاطفة
السيد أسعد السيد حسن هاشم البحراني، من مواليد القطيف منطقة الجراري باب الشمال، رب أسرة، زاول الكثير من المهن المختلفة كصيد السمك في البحر "كلاب السيف"، وعمل كذلك في الزراعة، والبناء وبيع الخضار، ثم عمل سائقًا لميكروباص لمدة 21 سنة، ثم التحق بروضة الإبداع بالقطيف قبل ثلاث سنوات ونصف السنة للعمل فيها سائقًا حتى يومنا هذا.




