13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

التمر.. وأهميته الخاصة

الأرض الطيبة في بلادنا المليئة بالكنوز والثروات الطبيعية العظيمة، غذائية كالتمور، وصناعية كالبترول، هذه نعمة من نعم الله عز وجل على هذه البلاد المباركة، فهي وسيلة للأمن الغذائي ومردود اقتصادي جيد، فالتمور من الطيبات، وسر من أسرار العافية، ودوام الصحة وسعادة الحياة، هي فاكهة وغذاء ودواء وشراب وحلوى، تحتوي على قلويات مضادة للسموم، ويقوي الكلى والكبد، ويستخدم في أوجاع الصدر ويقطع السعال، كما أنه يفيد في التهاب المفاصل.
يحتل التمر مكانة لا تضاهى، ضمن الأكلات التقليدية التي لعبت دوراً كبيراً في حياة الإنسان، خليجياً وعربياً، ارتبط هذا المحصول العجيب ارتباطاً وثيقاً بعاداتنا وقيمنا المتوارثة منذ سنوات طويلة، ولا تخلو هذه العادات والقيم في كثير من الأحيان من المنطق السليم والذوق الرفيع، رغم مرور الأيام وتغير أنماط الحياة، ما زلنا نحرص على المحافظة على مكانته القديمة، والسر وراء ذلك يعود إلى طعمه الحلو اللذيذ، وارتفاع قيمته الغذائية، هذه الثمرة الطيبة بحاجة إلى وقفة نناقش فيها أهمية هذه الثمرة ودورها كغذاء ودواء.
أجدادنا عاشوا ببساطة، كانوا يأكلون ما تقع عليه أيديهم من رزق الله، قد لا يأكلون لشهور طويلة اللحوم، ويعيشون على ما تنتجه الأرض من خيرات، لم يكن هناك شيء متوفر، الجوع احتل مساحة واسعة في معيشتهم، هم يألمون من قلة ما في جيوبهم، فما كان يجرهم على بطونهم إلا مرارة اللقمة ومرارة البحث عنها، لكنهم يتمتعون بالقوة والصحة ولم يكن لديهم أمراض العصر ولا مشكلاته.. فكيف اكتسبوا تلك الصفات؟
الفضل يعود إلى الأغذية الحية، التي تؤكل طبيعية وطازجة طوال العام، أغذيتهم كانت صحية، وبالتأكيد اعتمدوا على ثمرة التمر لسد الرمق وتقيم الأود، رمز الضيافة، فحظيت بالإعجاب لطعمها السكري اللذيذ، وخصائصها الغذائية العالية، وتحملها لظروف التخزين البسيطة، وتبقى صالحة للأكل حتى بعد عام، لها أكبر الأثر في معيشة الناس، إنها "منجم" غني جداً بالعناصر المغذية.
• كان إذا جلس على المائدة، يختار أفضل المواقع، ويدرس أقصر الطرق للوصول إلى مبتغاه، فإذا قُدِم الطعام، ينتظر تلك الحبات الذهبية توضع على المائدة، يمد يده ليختار بعناية أفضلها، معتمداً على معرفته بأصناف التمور وأجودها، اعتاد على تناولها بسْراً ورُطَباً وتمراً، لا يتصور أن يمر يوم دون أكلها، يعلم أن تناول تلك الثمرة من الطيبات، بفضل الله أمدّته بعناصر الحياة، وجعلته قادراً على مواصلة عمله الجسماني والذهني بنشاط، وقليل التعرض للأمراض التي شاعت في هذا الزمان.
كلنا يتساءل كيف يمكن لبعضنا أن يتحدى المرض، ولا يكلف نفسه عناء التفكير في اختياره الطعام الطيب؟
إذا كان صاحبنا مثالاً لمقومات الصحة والنشاط، ليس لكونه يستمتع بأطايب الطعام، دون أن يرف له جفن أو يخفق له فؤاد خوفاً من الأمراض، إنما إيمانه القوي أن الله عز وجل أعطاه نعمة عظيمة وجب عليه المحافظة عليها، هذه تعاليم الله {لَاتُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (سورة البقرة - آية 195)، وكذلك معرفته الكاملة بأنواع ومصادر الغذاء، وطرائق الاستفادة منه والتعامل معه؛ فلو تتبع كل إنسان تعاليم الدين الإسلامي حول الغذاء، لما احتجنا إلى هذا العدد الضخم من المستشفيات والمراكز الصحية، والوصفات الطبية والدوائية، وقد لا نحتاج إلى مراجعة الطبيب إلا لطلب الحصول على المشورة أو التوصية الصحية.
إن كل إنسان يبقى في حالة حسنة قبل وقوعه مريضاً، وإذا أسرع لمعالجة النقص الطارئ على صحته أمكنه أن يتجنب المرض، فإن من الأهم أن يعرف الإنسان قيمة الصحة الجيدة ويكافح لأجل الحصول عليها، وأن لا يتهاون في ذلك.
لا بد من التأكيد على ضرورة الاعتماد على الأغذية التي تتميز بقدرتها على تقوية الجسم وحفظ الشباب ومداواة الأمراض.
التمور من الأطعمة التي عرفها الإنسان منذ القدم، واكتشف قيمتها وخصائصها الغذائية والصحية.
اكتسبت أهمية غذائية عالية بسبب قدرتها على تحصين الجسم من أمراض العصر الشائعة، هي تحتوي على معظم العناصر المغذية الضرورية للنمو وتنشيط جهاز المناعة وتحفيز إفراز الغدد، ولعل من أبرز العناصر المعدنية الموجودة بوفرة في التمر، عنصرا السيلينيوم والزنك اللذين يعملان كمضادات للأكسدة التي تقي الجسم من الأمراض المستعصية.
يحتوي التمر على: 21% ماء، 2.1% بروتين،
73% مواد سكرية، 0.8% مواد دسمة، 3.4% ألياف.
فهو غني جداً بقيمته الغذائية، ويمد الجسم بطاقة حرارية عالية لاحتوائه على مواد سكرية ومعادن وفيتامينات وألياف، تصديقاً لقوله تعالى {وَزُرُوعٍۢ وَنَخْلٍۢ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} (الشعراء: 148).
تتركّز السكريات فيه بنسب تتراوح ما بين 70 و75% من المادة الجافة لتؤمن الجلوكوز، والفركتوز، والسكروز، إلى جانب السكريات هناك قائمة متنوعة من الأحماض الأمينية، والفيتامينات، والبروتينات، والعناصر المعدنية كالحديد، والبوتاسيوم، والكالسيوم والسيلينيوم، والزنك.
تشكل معظم السكريات في التمور على هيئة سكر محول (جلوكوز وفركتوز)، والقليل على هيئة سكر ثنائي (سكروز) لا تتجاوز 1% حسب صنف التمر.
أظهرت الأبحاث التي أجريت في مختبرات الهيئة العامة للغذاء والدواء لعدد من أصناف التمور بمختلف مناطق المملكة العربية السعودية، أن أغلب التمور لا تقل نسبة السكر المحول (الجلوكوز + الفركتوز) عن 60%، والسكروز بين 0.3 - 0.5%، وأفضل نتيجة لتمر الخلاص، حيث وجد أن نسبة السكر المحول لا تقل عن 65%، وخلوه تماماً من السكروز، في المقابل وجد محتوى تمور السكري من الجلوكوز والفركتوز لا يزيد على 25%، وارتفاع السكروز إلى 41%، وتشير تلك النسبة المرتفعة من السكروز إلى عدم مناسبته لمرضى السكر.
إن الإنسان يستطيع أن يقوي جسمه بالسكاكر الطبيعية، والفيتامينات والعناصر المعدنية، سنجد سكراً ممتازاً في الفواكه المجففة مثل التمر والتين والمشمش والبرقوق والزبيب، سكريات لم تتعرض للتخريبات أو المعالجات الاصطناعية.
التمر مادة دوائية يحتاجه الذين يعانون فقر الدم لاحتوائه على نسبة عالية من الحديد وحمض الفوليك، ويقوي العظام والأسنان لاحتوائه على الفسفور والكالسيوم، وألياف التمر السليلوزية تساعد على حركة الأمعاء الاستدارية الطبيعية، كما أن التمر يعادل حموضة المعدة بسبب غناه بالأملاح القلوية.
يجب علينا أن نعود أبناءنا على السلوك الغذائي الصحيح ونشجعهم على تناول حبات التمر قبل الإفطار لتنشيط خلايا المخ، ورفع مستوى التركيز، وحمايتهم من مشاكل سوء التغذية، وبدرجة كبيرة مرضى فقر الدم المنجلي.
يحسن بنا أن نتناول بضع حبات من التمر قبل كل وجبة، لكون أغلب محتواه مواد سكرية "جلوكوز وفركتوز" سهلة الهضم والامتصاص، تزود الجسم بالنشاط، وتنبّه خلايا المخ ومراكز التحكم الموجودة في الدماغ المسؤولة عن الشعور بالشبع في صورة سيالات عصبية؛ بالتوقف عن الطعام، فيزول الإحساس بالدوخة والتعب وسوء الهضم والتأثيرات غير مرغوبة مثل الامتلاء والشعور بالانتفاخ والغازات، فيحد من الإفراط فيه وما يترتب عليه من مشاكل صحية.
يمكننا وبعد معرفتنا للقيمة الغذائية للتمور أن نخلص للقول بأنه: لابد من تواجد التمر ضمن الطعام اليومي على المائدة لأسباب عديدة أهمها: القدرة على التحكم في الغذاء قبل الامتلاء " فلا إفراط ولا تفريط ".
عقلك سيعرفك متى تتوقف عن الطعام في الوقت المناسب، والسيطرة على رغباتك وشهواتك، عندما تبدأ وجبتك ببضع حبات من التمر.

• ها هو ذا رمضان مقبل بأنواره - اللهم بارك لنا في شعبان وبلغنا رمضان - لا تخلو مائدة رمضانية من حبات التمر ضمن مكوناتها الرئيسة، وقد أكد العلم الحديث أهمية وجوده في مائدة الإفطار؛ لضبط مستوى تركيز الجلوكوز في الدم، فالتمر يعمل على إمداد الجسم السريع بالجلوكوز، ليصل إلى خلايا الكبد اولاً ثم خلايا المخ والدم وجميع انسجة الجسم الأخرى لكون السكريات غذاءها الأمثل والأيسر للحصول على الطاقة، وبذلك يتوقف تأكسد الأحماض الدهنية، وتزول أعراض الضعف العام.
قد يمتنع البعض لمن يعانون من مشاكل صحية وداء السكري - النوع الثاني - من تناول التمور لمحتواها السكري العالي، ولكن الأمر يحتاج إلى توضيح فقط:
• مرض السكر النوع الثاني هو اعتلال مزمن، سيلازم المريض مدى الحياة، فيجب أن نتعامل معه على هذا الأساس، كون الأدوية تعالج ارتفاع سكر الدم فقط، وليس الاعتلال أو الاضطراب.
• حبات التمر تحتوي على سكريات طبيعية " 70% جلوكوز وفركتوز ونسبة ضئيلة لا تتجاوز 1% من السكروز لمعظم الأصناف، وهي أقل تأثيراً من السكر الحر والسكريات المصنعة.
• التخلص من الكربوهيدرات المركبة مثل الأرز والمكرونة والخبز وغيرها والحلويات غير المتزنة مثل البقلاوة والكنافة، والمحليات الاصطناعية مثل الاسبرتام، وسكرالوز، والسكارين، لكونها ترفع دهون وجلوكوز الدم مئات الأضعاف مقارنة بالأطعمة الحلوة الطبيعية.
• القليل من حبات التمر لا تتجاوز ثلاث حبات عندما نأخذها في الإطار المتوازن تعطي الجسم قوة ومناعة دون إحداث خلل في التوازن الغذائي، وقد لا تشكل أي خطورة، إلا أن بعض حالات الاعتلال يلزم لها استشارة الطبيب، فالتمر من الفواكه الحلوة، تأثيرها على رفع جلوكوز الدم أقل من تأثير بعض النشويات مثل الخبز الأبيض، إن الأمر مرتبط بما يعرف بـ" مؤشر الجلوكوز".
• الخيار الأفضل والرائع والمثالي للتخلص من السكر في حالة مرضى السكري النوع الثاني: النشاط البدني وممارسة الرياضة - والصوم "صيدلية الجوع"، وهذا يعني أن يتيح للجوع أن يتمكن منه للدرجة التي تساعده على إصلاح جسده، وهو أكثر كفاءة لتخفيض الأنسولين.
وفرة الرطب والتمر في بلدنا فاقت حصرهما، بهذين الشكلين وهذا العطاء السخي.
أهل الخليج هم أكثر الشعوب إقبالاً وطلباً متزايداً للتمور الفاخرة كمصدر غذائي وعادة غذائية راسخة منذ القدم.
عمد أجدادنا إلى استخراج العديد من الأكلات الشعبية التراثية التي يدخل التمر أو الدبس في إعدادها مثل "الممروس" و"العفوسة" و"عصيدة الدبس" و"اللقيمات" و"الخبز الأصفر" وغيرها من الأطباق.
وفي هذا العصر يؤمّن التمر موادّ أولية للعديد من الصناعات الغذائية كالسكر السائل، السكر الجاف، وحلويات المناسبات، والمخبوزات "الكليجة والمعمول"، أسواقنا مليئة بالتمور الفاخرة، تصنع بجودة عالية على شكل حلوى محشوة بالمكسرات ومغطاة بالكاكاو وجوز الهند والنوجا والكراميل، وتغلف في أطباق جميلة الهيئة ذات أشكال هندسية متناسقة، ويزداد الطلب عليها في أيام الأعياد والأفراح والمناسبات بدل الحلوى والشوكولاتة.
"يسمح بحشو التمور منزوعة النوى بجوز الهند أو باللوز أو غيرها من أنواع النقل" - مواصفة GSO/ 656/ 2014 التمور الكاملة المعبأة.
وأخيراً نحن في بلادنا لا نجوع ولله الحمد ولدينا ما يسد الرمق ويقيم الأود، أجدادنا عبروا رحلة الحياة بأقل قدر من العلل والأمراض.
ومن يدري فقد يكون غزو الأمراض لأجسامنا وانتصارها علينا يعود إلى تخلّينا عن أغذية طبيعية أنعم الله بها علينا لمقاومة أمراضنا وتغذية عقولنا وأجسامنا.
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.


error: المحتوي محمي