بأيام الدراسة حين يُعاقب جميع من في الفصل على خطأ فرد وقلة من الأفراد المشاغبين، نشعر بالهضم وأنه لا ذنب لنا بفعلهم حتى يشملنا العقاب لأنه "لا تزر وازرة وزر أخرى"، لكن يبقى هذا بالعدالة الإلهية وليست البشرية التي تقول "الخير يخص والشر يعم".
قرار تقديم الحظر جاء ليردع من يستهتر ويخرج من دون ضرورة ضاربًا كل الجهود التي تُبذل من هنا وهناك لتقليل الإصابات بالمخالطة عرض الحائط، والنتيجة هي تقليل ساعات الخروج وربما يؤول الأمر لاحقًا للمنع الكامل.
لا أعلم لماذا مستوى الفهم لدى البعض متدني جدًا وليس لديه أدنى مسؤولية تجاه مجتمعه مثله مثل من يتأخر عن الموعد بنصف ساعة لاجتماع ينتظره 20 فردًا فيكون التأخير الحاصل قد تضاعف وأهدر 10 ساعات من جميع من ينتظره.
لكن السؤال هل سيسامحه الـ20 فردًا على هدره لوقتهم؟
والسؤال الآخر بزيادة أيام الحجر وقلة ساعات الخروج بسبب من يخرج باستهتاره ويفاقم الوضع بتأثر الجميع وتأخيرهم عن حل هذا الظرف، هل سيسامحه الجميع؟
عن نفسي لا أسامحه، ولا أعلم بوضع ذمته مع أكثر من نصف مليون شخص يعيش بالقطيف ويتجرعوا مرارة الحجر والحظر والبعد عن عائلاتهم وأحبتهم، خاصة لمن علِق بمكان عمله ولم يستطع العودة لأهله بالقطيف.
فنحن الآن نعيش فترة صراع وسباق مع الوقت نريد أن ينتهي الأمر بأقل وقت وأقل خسائر لنصل لمرحلة تصفير الحالات لدينا لنعود للحياة الطبيعية، والجميع يشهد تحرك الكثير لتهوين الوضع ووضع برامج بيتية وبث مباشر للمناسبات الدينية عن بعد وغيرها فقط ليجلس الناس في بيوتهم ويستغلوها بالمفيد من الأمور بدل التذمر والشكوى.
من جانب آخر، الجمعيات تبذل جهودها لمساعدة المتضررين لتكون فرصة لزيادة الروابط الاجتماعية والإحساس بمعاناة ذوي الدخل المحدود الذين فقدوا مصادر رزقهم نظرًا لتعليق معظم الأعمال الحكومية، والخاصة التي لا نعلم وقتًا زمنيًا قريبًا لعودتها، والحكومة تبذل جهودها في كل المجالات لتوفير الأساسيات الغذائية والصحية وغيرها، ولكن هناك من لا يزال ينظر للثانويات ويصر عليها رغم كل ذلك.
من منا لا يود الخروج وتنفس الهواء الطلق والترويح عن النفس، والخروج من المنزل ولقاء الأهل والأصحاب؟
كلنا يريد ذلك وأعلم أن هناك من لا يستطيع الجلوس طويلًا بالبيت تبعًا لطبيعته النفسية، لكن هذا الظرف ليس عليه فقط، فهناك من هم مثله وجلسوا بالبيت، فكما كنا نعتاد الخروج كثيرًا، علينا أن نعتاد البقاء في البيت ولنجعل ذلك تحديًا لأنفسنا لنقول لها:you can do" it".
كي لا يزيد مقدار التقييد ويصل لأبعد حد خانق يجعلنا نبكي منه حين نصل للحظر 24 ساعة.
إن قال أحدهم: أصبحنا كالمغتربين، أقول له نعم: نحن بهذا الوضع مغتربون في تواصلنا ونريد سرعة العودة لأوطاننا بسلام حتى لو كنا فيها أساسًا فقط لأننا لا نستطيع أن نرتمي في أحضان أمهاتنا وآبائنا بدون خوف عليهم من الأذى بسببنا ولو بنسبة 1%.
أعترف أنني ببداية الحجر لم أتقبل الأمر سريعًا لأني غير معتادة على البقاء في المنزل طويلًا وعدم الخروج وعدم رؤية الشمس والناس والأحبة، لكن اليوم أجد نفسي متأقلمة جدًا حتى أني كنت ببعض الأيام أحدّث نفسي بالخروج وكنت أستطيع الخروج وممارسة المشي ورؤية شمس الصباح لكني أجد نفسي تلقائيًا تمنعني لأني أملك هدفًا واضحًا ومباشرًا لعدم خروجي أريد تحقيقه سريعًا والعودة إلى ما يهوى قلبي حضوره، لهذا أصبح لا يستهويني الخروج حتى لو كان بمقدوري ذلك.
لأنه كلنا يستطيع الخروج بالوقت المسموح، لكن القوة ليست هنا، القوة حين نستطيع ترويض أنفسنا ولا نفعل ليس لأجل أنفسنا بل لأجل عائلتنا ومجتمعنا، كل الأمر يكمن حين نزيل كلمة ممنوع لأنها تجعلنا ننساق نحو جملة "كل ممنوع مرغوب" والتي تؤدي للزحام بآخر وقت يقارب وقت بداية الحظر بالغالب، لذلك فلنجعلها بخيالنا مسموح كي لا يفكر العقل في خرقها والرغبة فيها والتزود من آخر رمق فيها بعيدًا عن التفكير فقط بالغرامة التي تمنعنا من ذلك.
أو فلنجعل هذا الشيء نابعًا من الداخل بدون تأثير لأوامر خارجية تجبره عليه، فنحن بطبيعة الحال لن نموت جوعًا إن لم نخرج، فحين نجلس في البيت بمحض إرادتنا تكون أهون للتقبل من رسمها بالعقل كونها شيئًا مفروضًا وإجباريًا، لأن العقل بطبيعته يأبى التقييد ويميل لإثبات المنفي.
المسألة عقلية لترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، لأنه لو فكر كل واحد بنفسه فقط وقال أنا فرد واحد ما الضير من خروجي، وعمِل الجميع بمبدئه فسنجد الكثير وراءه، لكن إن قدمنا الجميع أمام أعيننا سنحظى بالفائدة العاجلة، فيد الله مع الجماعة وسيبقى الأناني فقط من يخرج مع استهتاره ليعيث بالأرض فسادًا.
فهل أنت حقًا أناني ينثر الفساد؟



