عصبة الذئاب تحوم حول المسجد تسلط الضوء عليه بإحكام، تلفه من كل الجوانب كلف الأخطبوط الذي يستعد لينقض على فريسته، لم يكن بالحسبان أن الشخص الذي أهداه الأطفال قنينة ماء وكيساً من الحلوى هو نفسه من لوث بجسده ودمه المسجد مفجراً نفسه بحزام ناسف لينثر أشلاءً ودماءً طاهرة بريئة اختلطت بالقرآن وهي تصلي.
لا أود الرجوع للأحزان وآلام الفقد، لا وألف لا وددت فقط أن أجدد الذكرى بمعنى آخر غير الذي عهدتموه، نعم لأحكي قصص الخالدين وأجعلها حديث الأمس لليوم واليوم للمستقبل، في الركعة الثانية من صلاة الجماعة ظهر يوم الجمعة كمن أحد الذئاب في الصف ما قبل الأخير وفجر حزاماً ناسفاً كان يخفيه خلف ملابسه وتسبب بقتل اثنين وعشرين شخصاً وإصابة مائة واثنين جريحاً.
كان من بين الشهداء كبار وصغار شباب وكهلة، هنا سأروي لك أيها القارئ الكريم عن شخصية لازمتها وعاصرتها وجلست معها، إنه الشهيد المؤمن "أبا أحمد" الذي لا تفارق الابتسامة محياه، مسالم محب للخير متواضع جداً تكسوه السكينة والهدوء طيب القلب، إذا مشى يغض البصر دائماً ينظر للأرض من الحياء.
كانت تسميه أمه "تربة مسجد"، حنون القلب علاقته بها كعلاقته بالمسجد يقدسها وهي أغلى ما يملك في الكون بعد كل فريضة صلاة يعودها بالزيارة كل يوم، أجل لم يمر عليه يوم في حياته إلا بر بها وزارها وكثيراً ما يصاحبها معه في زياراته للأماكن المقدسة، كل ما يشغل همه أن ينال رضاها لأن رضاها رضى الله سبحانه.
وجهه أبيض مستدير كالبدر في ليلة تمامه، معتدل القامة رشيق الجسم له جمال رباني سبحان من صوره، جمال يفوقه الرجولة والعنفوان، طلته وحسن منطقه تسلب العقول، ذو خلق كريم، إنه الشهيد مهدي بن أحمد بن مهدي الخاطر، وهو الابن الأكبر بين إخوته وله أخت أكبر منه، ولد في 01/07/1381هجري لأبوين مؤمنين ربياه على طاعة الله والصلاة، فأباه كان فلاحاً طيباً مكافحاً عاش يحرث الأرض حتى تخضر وتثمر، وأمه حفظها الله من ذاك الجيل الجميل الذي تربى على المنبر الحسيني النسائي "العزية"، وأيضاً ممن تحب النخيل وحينما تزوره يقضي معها وقتاً طويلاً في حديقة منزله بين الأشجار ورائحة الريحان، وشجرة الريحان اشتهر بحبه لها وعلى طول مساحة الحديقة يزرعها وحتى في الحديقة الخارجية عند سور المنزل، ولا أعلم ما علاقته بالريحان ربما لأنه ريحانه من الجنة جاء لهذه الدنيا لينشر عطره بالمحبة والسلام وسرعان ما عاد غصنه الأخضر إلى جنة الرحمن، كان يقطف بعض أغصان الريحان ويضعها في قنينة زجاجية فوق طاولة المطبخ.
توفي والده وهو يبلغ من العمر عشر سنوات تقريباً، هنا أكمل دراسته الابتدائية بتفوق ملحوظ ولكن آثر البحث عن عمل ليقي إخوته الأيتام عناء الحياة، ملتحقاً بالمعهد الصناعي وحينها كانت تعطى له مكافأة شهرية وأول مبلغ استلمه اشترى لإخوته خزانة ملابس.
ترعرع بين أزقة القديح يلعب بالكرة القدم ويهوى صيد الأسماك "الحداق"، يحب الطبيعة والأشجار والنخيل، حتى في استذكار دروسه كان يحب الجلوس بالهواء الطلق، كافح كثيراً في حياته، كان رجلاً استثنائياً بمعنى الكلمة، أبهرني وأبهر من حوله بتحديه للمعوقات واحتوائه المشكلات والصعوبات في شتى صروفها الحياتية، كسر قاعدة فاقد الشيء لا يعطيه وأعطى من حوله كل ما حرم منه وأكثر.
مرت عليه سنوات صعبة جداً، لكن الله شمله بعنايته، تربى في بيت عمه الحاج عيسى الخاطر بعيداً عن أمه لأنها تزوجت رجلاً آخر بعد وفاة والده، اعتنى بإخوته الاثنين "صالح، حسين" وأخته التي تكبره "بدرية" التي بعد ذلك تزوجت من الحاج عباس القديحي، صار لهم الأب، أخذهم ليعيشوا معه، زوجهم وذهب بهم للحج وتكفل بتكاليف السفر جميعاً.
التحق بتوفيق الباري سنة 1982 ميلادي "بشركة الزيت العربية الأمريكية"، حالياً شركة "أرامكو السعودية" التي تم تأميمها عام 1988م، حيث درس وأتم ما يعادل دراسة المرحلة الثانوية، متقناً اللغة الإنجليزية وبرع في الرياضيات.
شيد أول منزل في منطقة "المنيرة" للقرب من سكن أعمامه ومعظم أهله، في سنة 1983م تزوج الحاجة بدرية بنت عيسى آل عبيد (20/04/1384) وانجبت له خمسة أبناء وأربع بنات، كان مثقفاً وحكيماً متفتح العقل في تعامله مع أسرته في حل المشاكل بشكل إيجابي يحاول إيصال رأيه بالإقناع والهدوء دون عصبية تذكر، نقدر أن نقول إن تربيته لأبنائه كانت مثالية، عطوف وحنانه يظهر في ابتسامته المعهودة ونبرة صوته الذي بالكاد تسمعه.
دائماً نصيحته لأهله التمسك بأهل البيت عليهم السلام، ودائماً تراه يتمتم بالشكر لله وبحمده، علم أولاده وبناته الصلاة والالتزام بها في وقتها منذ الصغر، كان يردد في آخر أيامه: "إن الله أغرقني بالنعم من الأموال والأولاد والبنات والزوجة الصالحة والصحة، فلا أريد من الدنيا غير رضا الله وأن أرى أولادي بخير وسعادة"، في شهر رمضان يجمع أولاده وبناته إلى جانبه ويستأنسون بسماع صوته العذب حينما يتلو القرآن بصوت جهور وترتيل جميل واضحة، وفي كل يوم عند أذان الفجر يوقظ أسرته بكل أريحية وابتسامة وصوت هادئ ويقبل رؤوسهم.
تقاعد من شركة أرامكو سنه 2012م بعدما نال عدداً كبيراً من الإنجازات والشهادات والجوائز والتكريم خلال مسيرته المهنية، كان آخرها درع خدمة ثلاثين سنة، كان يحب الهندسة ودائماً يرسم خرائط لبناء منزله الجديد مدخلاً أفكاراً على خريطة المهندس، فعلياً كان يجيد الرسم الهندسي، ولكن هذا البيت لم يكتمل للآن ولم يسكنه وأسكنه الله بيتاً في جنته.
رغم مشاغل الحياة والركض بها، إلا أنه يومياً يصلي بالمسجد، ولم ينس وبشكل دوري زيارة أرحامه وخاصة أمه والأقارب والمرضى منهم، عرف عنه حبه الشديد لأعمامه وعماته وأبنائهم، حيث كان يصلهم كثيراً، وأما أسرته أصبح يقضي وقته معهم، وفي كل صباح قبل إشراقة الشمس يسألهم ماذا تشتهون على الفطور، نعم ويشتري الطعام المفضل لكل فرد، يفرح كثيرا إذا اجتمع أبناؤه وبناته في يوم الجمعة على الغداء.
لم يتكبر قط ولم يقل يوماً لا أحب هذا الطعام أو يشتكي، كان قنوعاً شاكراً لله على نعمته، ذات يوم حين أعدت زوجته وجبة العشاء ثلاثة أطباق جلس ينظر للطعام بنظرة حزن وألم!! سألته زوجته عن سبب حزنه؟!! كان رده: تذكرت الفقراء وجوعهم.
كان يبادر دائماً لمساعدة الناس وأهله وأصحابه، وخصوصاً الأيتام، كان ينكسر قلبه لهم ويعطف عليهم ولا ينسى كسوتهم في الأعياد والمناسبات، كريماً جداً وفي نفس الوقت يكره التبذير ويحب الحفاظ على النعمة، حتى بعد استشهاده ما زالت يده تعطي الكثير والكثير من عطائه الذي لا ينسى، في ذات يوم أخذني ولده الكبير "أحمد" لمبنى جمعية مضر الخيرية ليدفع ما كان يدفعه أباه في كفالة الأيتام.
لقد ذكرت لكم أنه عاش مع عمه الحاج عيسى "ابا عادل" وكان يناديه "أبي"، والشيء بالشيء يذكر بأن ابن عمه عادل توفي وكان واقع الحزن كبيراً لأنه تربى معه وقريباً جداً لقلبه وخلف أيتاماً، فما كان من الشهيد إلا أن انكسر قلبه لرؤية أبنائه الأيتام فحن عليهم وكرر زيارتهم والسؤال عنهم.
علاقته مع الله مميزة، ولهذا اختاره الله للشهادة وهو يصلي، وفي يوم جمعة وهو صائم قائم، تتجلى روحه الطيبة في علاقته المتينة بأهل البيت عليهم السلام في أفعاله وأقواله، أجل ينشغل بقراءة الأدعية وكل ليلة جمعة يقرأ دعاء كميل، يعشق الرثاء الحسيني والعزاء "اللطميات"، يقضي جل وقته بالاستماع إلى نواعي مصائب بيت النبوة عليهم السلام.
في يوم تعطلت سيارتي واستعرت سيارته "هوندا جيب"، كان صندوق خزانتها كل ما يحمله أشرطة وكاسيت محاضرات وادعية ومواليد ولطميات، هذا الشهيد المؤمن يذكرنا دائما بالرسول الأعظم (ص) والإمام علي عليه السلام، وكان يردد: "تعلموا من أخلاقهم الصبر والحلم والقناعة ونبذ الشهوات، هذه الدنيا فانية فلا تتبعوها واعملوا لآخرتكم"، والحقيقة تقال كانت صفة الصبر طاغية على جميع الصفات التي امتلكها.
من بعض مواقفة النبيلة مع أفراد أسرته كان ينتظر عودة ابنته "هبة" من المدرسة ويحمل الحقيبة عنها جالباً معه كوباً من الماء رحمة وحنان، لما أرادت أن تلتحق بجامعة أهلية تكفل بجميع المصاريف الباهظة بكل رحابة صدر، وعلاوة على ذلك لم يتكاسل في الخمس سنوات يوصلها دون تذمر، شجعها على العمل التطوعي شاهد فيها الميل للغة الإنجليزية، حفزها اشترى لها آلة إلكترونية (مترجم) وكتب للقواميس ومعاجم الترجمة.
أجل كان هكذا مع الجميع، فقبل رحيله بيومين كانت ابنته "شروق" عائدة من مكة المكرمة بعد أداء فريضة العمرة، وعند وصولها حضنها وضمها برهة من الزمن وبكى، أحست برطوبة دموعه، فحاولت أن ترفع رأسها لكنها لم تقدر، فقد منعها أن ترى دموعه باحتضانه الشديد لها وتقبيل رأسها كأنه كان يودعها.
في أيامه الأخيرة كان يكثر من النظر إلى وجوه أبنائه وأسرته، وكان كثير الصمت، كان يقبل رؤوسهم صباحاً ومساءً، كان بلسماً لجراحهم وآلامهم ينادي إحدى بناته بنوارة البيت والأخرى بالمد لله وأصغر أبنائه يلقبه بحسين نور العين، لا تزال صورته في مخيلة أبنائه أيام شهر رمضان حين يعود للمنزل محملاً بأكياس الطعام والأشياء التي يحبونها، وكيف كان يحمل طبق السلطة والشوربة إلى أمه يومياً، وعندما يشتري الخضار والفاكهة واللحم والدجاج والسمك يقسمها بين بيته وبين إخوته، رحمه الله لم يكن متطلباً أبداً، يأكل ويحمد الله بل يشكر زوجته المخلصة ويقول "ما قصرتو طول النهار تعملون في إعداد الطعام".
يوم الاستشهاد يوم الجمعة كان صائماً، استيقظ مبكراً كعادته، ذهب إلى أمه ومن ثم يعود خالته المريضة وبعدها زار بيت عمه الحاج عيسى الخاطر، ثم عاد لمنزله وبقى مع زوجته وابنته الصغرى "فاطمة" قبل جبينها ولم يشأ أن يوقظ باقي أبنائه وبناته قال لزوجته: دعيهم نائمون لا توقظيهم.
خرج لصلاة الخلود قبل وقتها بكثير كأنه مشتاق للقاء ربه في يوم سعيد توج بالإيمان وذكر الرحمن والمؤمنين فيه صيام وصلاة جمعة، يا لها من شهادة التحق فيها بأنصار الحسين عليه السلام في 22/05/2015م، هو واحد من هؤلاء الشهداء الذين اختارهم الله وهم راكعين بالصلاة، استقبلوا الغدر والتفجير بروح راضية تسلقت للجنان بأذن الله، رفرفت أرواحهم كأسراب حمام سلام أبيض نحو الفردوس، فرحمك الله "يا أبا أحمد" رحمة الأبرار وأسكنك الله فسيح جناته (لأرواحهم الطاهرة قراءة سورة الفاتحة).



