لا أنفي تأثير عدد المدن العربية ولكن النبع الصافي هي قرية الجشة
رئاسة النادي الأدبي كانت «حرجة» وسر نجاحنا حماس الفريق
الحرب الأهلية في لبنان أجلت إصدار «سوق الخميس» بضعة أعوام
بين الصحافة والأدب، بين التقليدية والحداثة، بين التأثير والتأثر، بين الأحساء والدمام والدوحة وبغداد والرياض، ومن رئاسة تحرير جريدة "اليوم" إلى رئاسة النادي الأدبي، وسط هذه "البينيات" ظهر مساء الخميس 6 فبراير 2020م، الكاتب والصحفي والأديب خليل بن إبراهيم الفزيع، ليتحدث عن التجربة بكل ثقة أمام نخبة من المثقفين والأدباء والشعراء والإعلاميين بمنتدى الخط الحضاري بالقطيف، الذي يرعاه الإعلامي فؤاد بن عبد الواحد نصر الله الفزيع.
وخلال الأمسية التي أدارها القاص فاضل العمران، تحدث "الفزيع" عن تجربته في مجالات "الصحافة" بحكم أنه عاصر الصحافة منذ بدايات نهضتها، وتوّج ذلك بأن أصبح رئيسًا للتحرير في جريدة "اليوم"، و"الأدب"، كممارس لكتابة القصة والرواية والشعر، وكرئيس للنادي الأدبي في المنطقة الشرقية في فترة عدّت من أبرز المنعطفات التي مرّ بها النادي.
وقال "الفزيع" إن الصحافة في المملكة مرّت بثلاث مراحل، الأولى قبل نشوء الدولة، ثم صحافة الأفراد، تلتها صحافة المؤسسات، ففي مرحلة الأفراد كانت الصحيفة تبقى بوجود مالكها ومؤسسها، وتنتهي بانتهائه وغيابه تحت أي ظرف، وتطوّر الأمر إلى أن أصبحت تدار من قبل مؤسسة، فتتغير الوجوه والأسماء وتبقى المؤسسة كما هي، وتلك مرحلة بدأت منذ العام 1383.
وأضاف: "وكانت بدايات الصحافة أنها تنحو باتجاه الرأي أكثر من الخبر، لكنها مع تطوّر الزمن باتت تعتمد على الخبر والصورة وما بعد الخبر، مع عدم تجاهل الرأي، كما لم تقتصر الصحافة على نشر أخبار الدولة والأنشطة الحكومية الرسمية، بل باتت لها صفحات متخصصة اقتصادية وعلمية وثقافية وغير ذلك".
وعن اتجاه الصحافة في الوقت الحاضر، قال إنها تتجه للصحافة الإلكترونية، فما عاد للصحف الورقية وجود، وحتى الصحف الورقية التي تصدر حاليًا تساندها نسخة إلكترونية، لأن ثمة ميزات خاصة للصحف الإلكترونية، أبرزها سهولة الوصول إليها، وإمكانية الترجمة الفورية، وسرعة التفاعل والانتشار، فضلًا عن أن تكلفتها المالية أقل من الصحف الورقية.
وعن العلاقة بين الأدب والصحافة، وتجربته في هذا الجانب، أوضح "الفزيع" أن الكتابة الصحفية تختلف عن الكتابة الأدبية، فالأولى سريعة تتطلب ملاحقة الخبر وبسرعة أيضًا، بينما الثانية تتطلب التأني والمراجعة، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الصحافة الورقية خدمت الأدب كثيرًا، فمعظم الأدباء نشروا إبداعهم الأدبي (القصصي والشعري) في الصحف الورقية، وفي وقت من الأوقات كان المنتج الأدبي يحتل الصفحة الأولى من الصحف الورقية.
وفي هذا الصدد، أكد أنه حينما كان صحفيًا مارس هوايته الأدبية بينه وبين نفسه، وحينما تولّى منصب رئاسة التحرير لم يكتب قصيدة ولا قصة، لأن من يتولّى منصبًا مثل رئاسة التحرير يكون مسؤولًا عنه طول الوقت، لكنه ـ مع ذلك ـ لم ينف استفادته كأديب من فترة عمله في الصحافة إذ قال: "حينما عملت في الصحافة، كان يتوفر لي دومًا سيل من الأخبار اليومية، أفادتني في التقاط مواقف إنسانية بنيت عليها بعض الأعمال الإبداعية، ومن هذه الأخبار ما لا يتعدى حجمه خمسة أسطر، ولكن له من القوة ما يدفع إلى بناء نص إبداعي، وإن لم يكن بشكل فوري".
وأكد أنه يسير بالطريقة الكلاسيكية، ويكتب القصة التي لا بد أن تتوافر على الفكرة والحدث والأشخاص والحوار، وأن تسير بالآلية المتعارف عليها من قبل وهي "المدخل، والعقدة، والحل"، هذه الآلية بدأت تتراجع في القصة الحديثة، فالمنتج الجديد يتسم بطابع لم نعهده في السابق، خصوصًا في مجال اختلاط الأجناس الأدبية، فظهرت لنا القصة القصيرة جدًا، التي تعد ظاهرة جديدة في عالم القص، تعتمد على التركيز والاختصار، والحال نفسه في الشعر الحديث، حيث نجد أن بعض القصائد هي أقرب للخواطر من كونها أشعارًا، وتابع: "بالنسبة لي أرى ضرورة أن تكون القصة مكتملة العناصر بأن تكون ذات حدث وشخصيات وزمان ومكان، ولكل زمان قصة وقصيدة".
وعن تجربته في الإصدار، قال "الفزيع" إنه حينما فكّر في إصدار مجموعته القصصية الأولى، اختار لها عنوان "سوق الخميس"، إلّا أن ظروف الحرب في لبنان أجّلت صدورها نتيجة تدمير المطبعة التي اتفق معها على الطباعة، وكان في ذلك الوقت قد انتقل إلى قطر وضمن كتاب مجلة "العهد"، وأصدر مجموعات قصصية منها "الساعة والنخلة" عام 1977 و"النساء والحب" عام 1978 ثم قام النادي الأدبي بالطائف بإصدار مجموعة "سوق الخميس" عام 1979، وبعدها توالت الإصدارات القصصية وترجمت بعض هذه القصص إلى اللغة الإنجليزية وحوّل بعضها إلى دراما إذاعية وتليفزيونية، وقد أخذت نصيبًا وافرًا من الدراسة والنقد.
واعترف بأنه حين يكتب قصصه لا يضع في اعتباره رضا القارئ، لأنه يجد في ذلك "نوعًا من تملّق المتلقي، وهو أمر لا يليق بالمبدع أن يفكر فيه، لأنه يكتب ليمرّر وجهات نظر قد لا ترضي آخرين، وهذا من طبيعة العلاقات البشرية، ولم يذكر التاريخ أن البشر اتفقوا يومًا على وجهات نظر بعينها".
وحول التأثير والتأثر، ينفي "الفزيع" أن يكون قد تأثر بأحد بحيث ينتهج أسلوبه في الكتابة، كما أن أحدًا لم يسر وفق طريقته في الكتابة أيضا، وقال: "بما تأثرت وعلى من أثّرت؟"، سؤال بشقيه افتراضي، لأن التأثر لا يأتي من أسماء معينة، بل من عدة مصادر تشترك في تشكيل التأثر، وقبل ذلك مدى القابلية للتأثر، فليست كل القراءات أو المعارف العامة أو المواقف المختلفة لها التأثير ذاته على كل الناس وبالدرجة نفسها، فهذه القابلية تختلف من إنسان لآخر، وإن كان المبدع أكثر تأثرًا لأنه يملك درجة عالية من الحساسية تجاه كل الأمور".
وأضاف أن إعجابه ببعض الكتاب دفعه للاستعانة بما كتبوه، ففي قصة له بعنوان "الأعزب" اتكأ على رواية ّ"طقوس في الظلام" لكولن ويلسون واستعان بمقاطع كاملة منها، و"هذا لم يتعد الاستعارة المعلنة وليس التأثر".
وأما من تأثروا به، قال الفزيع: "لا أملك حق ادعاء ذلك، ولا أحبذ هذا النوع من التأثير، وأفترض في زملائي أن يتجاوزوا في إنتاجهم ما وصلت إليه شخصيًا، وما يدعو إلى الغبطة أن أرى بعضهم قد حقق هذا التجاوز، فلا غرابة أن يتقدم التلميذ على أستاذه، مع أنني أرفض مسألة الأستاذية هذه، فما هي سوى أسبقية في التجربة لا غير، وهذه الأسبقية تفرض مسؤولية التجديد لكيلا يظل الكاتب واقفًا، بينما يرى من أتوا بعده وقد سبقوه بخطوات كبيرة في ميدان الكتابة".
وخلص "الفزيع" إلى القول: "وإذا تحقق شيء من التأثير والتأثر فليس ذلك نتيجة تخطيط معين، بل هو استجابة لعوامل وأسباب عديدة، لا تلغي مصادر ثقافة الكاتب، كما لا تلغي احتمالات تأثيره على سواه، وإن لم يكن ذلك بشكل مباشر، ولا حرج أن أكتب بأسلوب تقليدي أو يتجاوزني غيري، فلكل مبدع أسلوبه وطريقته في الكتابة، المهم أن تتوافر في النص مقومات النجاح التي تدفع المتلقي للتفاعل معه".
وعن سؤال: "متى وكيف تكتب؟"، أجاب: "سؤال يتكرر، وأعتقد أنه يشبه سؤال الشمس كيف تشرق والنهر كيف يجري، والزمن كيف يمضي، وحقيقة الأمر أني لا أعرف كيف ومتى أكتب النص الإبداعي، فالقصة والقصيدة هي التي تفرض نفسها بل هي التي تختار قالبها، عندما توجد الفكرة أولًا ثم تختمر وتنضج، وقد لا أكتبها في حينها وأكتفي بتسجيلها كفكرة ثم أعود لتنفيذها بشكلها النهائي، بعد مدة قد تطول وقد تقصر، لكن هذا مرهون أيضًا بعوامل أخرى ليس من بينها رغبتي في الكتابة، بمعنى أنني لا أستطيع أن أقول إني سأكتب قصة فأكتبها، هذا غير ممكن".
وحول تأثير المكان على منتجه الأدبي، أوضح: "بعض المدن لها سطوتها على المبدع، وثمة محطات أثّرت بشكل واضح على إنتاجي الأدبي، إلى جانب الأماكن القديمة التي احتضنت النشأة الأولى، وبرزت في بواكير الإنتاج، فإن بعض المدن تركت بصماتها على بعض ما كتبت، ومنها الرياض والدوحة والقاهرة وبغداد وطنجة ولندن، ومن بين هذه المدن تظل الدوحة ذات تأثير واضح على تشكيل بعض المواقف الفكرية التي تبنيتها بشكل أو بآخر، وقد كتبت أكثر من قصة وقصيدة مستوحاة من الحياة في هذه المدينة".
ومع قناعته التامة بتأثير هذه المدن عليه، لكنّه لم ينس نبعًا آخر من الذكريات لا يزال يستقي منه زاده الإبداعي السردي والشعري، يتمثل في قرية "الجشة" التي قال عنها إنها "القرية الوادعة شرقي الأحساء، والتي شبّت عن الطوق، وأصبحت مدينة، لكنها احتفظت بمقوّمات روعتها، وأخذت بنصيب وافر من بين أسباب التطوّر، الجشة التي تربطها بالعقير وشيجة نسب عريق، ومنها تطل على مياه الخليج الممتدة ألفه منذ فجر التاريخ".
وعن الشعر، قال "الفزيع" إنه كان يكتب الشعر، ولم يملك الجرأة لأن ينشره، عدا أن أحد أصدقائه قام بإرسال قصيدة له إلى جريدة "الندوة"، وحظيت بنصيب وافر من النقاش والحوار والنقد، هذا ما حفّزه على جمع القصائد وإصدارها.
وقال عن كتابة الرواية إن هاجس الرواية موجود لديه، وهو بصدد إعداد رواية جديدة.
أما عن تجربة رئاسة النادي الأدبي، فقال إنه جاء في فترة عصيبة، بعد أحداث متلاحقة جرت على النادي، وكان الهدف هو إعادة النادي للقيام بالدور المنوط به وهو استقطاب الأدباء والمثقفين ورصد إنتاجهم، وكان التوفيق حليفًا له بفضل الله أولًا، ثم بفضل الفريق العامل معه والمتحمس لإخراج النادي من تلك الأزمة.
وشهد اللقاء عددًا من المداخلات، منها مداخلة الشاعر عدنان العوامي، واللواء عبد الله البوشي، وعضو منتدى بن المقرب الأدبي على طاهر البحراني، ورجل الأعمال عبد الله القديحي.
كما شهد عرض بعض منتج "الفزيع" الأدبي من الشعر والقصة القصيرة، والذي لقي تفاعلًا كبيرًا من الحضور.



