كيف يكون الفن جامعاً ومحركاً في مسيرة حياة زوجين فنانين؟
يكمل الموسى حديثه الشيق والعذب:
«نعم الفن يحركنا باستمرار نحو الاشتغال الفني.
أحياناً أمرّ في بعض الأوقات بحالة من الإعياء، أكون مجهداً، أو لاهياً في موضوع معين، مثل قراءة كتاب، أو تلبية دعوة أصدقاء، فيصيبني نوع من الفتور المؤقت نحو العمل الفني، يمر يومان، ثلاثة أسابيع بعيدًا عن الرسم، حين أشاهد زوجتي ترسم أحس بالحنين، أشعر بالغيرة، لكنها غيرة محببة بسؤال محفز، كيف هي منهمكة في الرسم وأنا جالس مكتوف اليدين؟ فأرجع حالاً إلى اللوحة، إلى عالم الرسم، هي أيضاً نفس الشيء حين تنشغل بالبيت أو في أمور حياتية، وتشاهدني مندمجاً في الرسم، أو حتى أخطط اسكتشات، على طول تجي تسأل ماذا تعمل، ما هذه التخطيطات، فترجع مندفعة للرسم، فهذا الشيء الجميل والرائع في العلاقة مع فنانة تعيش مع فنان تشكيلي».
إن خلق بيئة فنية صغرت أم كبرت حتمًا تولد العدوى الإيجابية، فكيف لشريكي الحياة فهي عدوى مشتركة يتقاسمانها بالتناوب، بلغة فنية راقية وسط أجواء ملهمة، وأيضاً يستشرفان عين المتلقي وعين المستقبل، هذا ما يؤكده الموسى قولًا وفعلًا.
«نحن نشجع بعضنا البعض، ومستمرين في العمل بدأب، والأجمل أحاديثنا الدائمة ليست المرتبطة فقط بالذكريات التي عشناها في روسيا، بل نخوض حوارات مرتبطة بالتطلع قدمًا، فكل واحد منا يطرح أفكاره للآخر.. مثلًا عندها مشروع معين، تخطيط اسكتشات أولية لقصة معينة فيها كذا وكذا، وتبتدي تطلعني على فحواها.
وبدوري لديّ بعض الأفكار الجريئة أود أن أتناولها بصورة معينة وبرؤية مغايرة فأطرحها عليها واستشيرها، فيأتيني ردها ناصحاً، هذا جيد بس لو أنك تراعي موضوع العادات والتقاليد الاجتماعية، احتمال الناس ما تفهم وجهة نظرك، حاول أن تغير كذا وكذا، على أساس ما تقع في لوم وحرج.
فهي تعطيني نوعًا من اليقظة والانتباه وأخذ الحيطة، مشكلتي عندي جموح رهيب، ورغبات ملحة، لتنفيذ أعمال كثيرة، وبأفكار متنوعة، قد تكون متناقضة للتوجهات الاجتماعية، من هنا زوجتي تحذرني وتعمل لي نوعًا من الفرملة، وتقول لي قد يكون الناس ما تفهمك صح وربما ما تفهمك غلط، فحاول ألا تضيع وقتك سدى».
إن التاؤيل في غير محله يقسر مساحة التعبير الحرة، وربما يصادر حرية الفنان سواء رقيبه الداخلي أو الخارجي، الفنانة نتاليا تأخذ بعين الٱعتبار أن كل مجتمع له أدبياته فيجب احترامها، وعدم الخروج عن القيم والمفاهيم السائدة، وبتأكيد من لسان زوجها الشغوف نحو الفن:
«حقيقة عندي لوحات كبيرة نفذتها سابقاً، موجودة اسكتشاتها، بدأت في بعضها وأخرى توقفت عن تنفيذها، بسبب أنها تقول لي أنت لست جالساً في روسيا.
بالفعل هناك في روسيا كنت حراً منطلقاً أنفذ ما أريده، أرسم عرايا، أرسم ما يدور في بالي، هنا لا أستطيع وإن حاولت بشكل أو بآخر، هي تنبهني بإصرار وتعطيني نوعًا من الانضباط.
طبعا لا أقصد برسم العرايا بحد ذاتهم، بقدر ما تكون مرتبطة بأفكار لها طابع فلسفي، ديني، اجتماعي، وما إلى ذلك.
هذا الشيء الرائع والممتع في العيش مع فنانة تشاطرني الأفكار والآمال والمخاوف والأحلام والتطلع الدائم نحو الفن.
فكل واحد منا عايش فكرياً، عايش حياتياً، عايش فنياً، فهذا الشيء الجميل في علاقتنا مع بعض، علاقة حب واحترام متبادل، وهذا الشيء الطبيعي ما بين اثنين يحبان بعضهما بصدق وإخلاص، يحترمان بعضهما، ويقدران بعضهما، وهذا ينعكس بالطبع على مجمل حياتنا وجميع اشتغالاتنا الفنية معاً».
أجواء جد ومثابرة ومشاورات دؤوبة،
ريشة تتآلف مع ريشة رسماً وتلويناً، وتتمازجان بإنجاز وراء إنجاز، يحلقان بأفكارهما المستقلة في عوالم لوحاتهما، يتجاوران اشتغالًا كل يوم وكل يعمل وفق خياله وتصوراته يتنافسان في الإنجاز ويتوحدان بأهمية ما يعملان، مدركين أن قيمة المرء ما يصنع.
حواراتهما لا تنتهي باستجلاب الأفضل والأحسن لما ينتجان، يسمعان لبعضهما بنقد موسع، وكل يأخذ قول الآخر بحسبان، هما في انسجام تام كأنهما روح واحدة.
زوجان مثاليان يتوحدان حبا وفنا يعيشان حياتهما سفرا للحلم والمعنى.



