ذكرتني بسنوات عمري امرأةٌ خفرة من أقاربي رأيتها مرتين فقط في حياتها. واحدةٌ في صيفِ عام ١٩٨٥م في الحج، كانت وزوجها الرائع شابين مقبلين على الحياة. لم أرها بعد تلك المناسبة، لكنني رأيتُ الناسَ يحملونها فوق أكتافهم وسمعتهم ينعونهَا يومَ الأحد ٢٦ كانون الثاني، يناير ٢٠٢٠م. ذكرتني مرةً أخرى كم هي قصيرةٌ تبدو المسافة التي نمشيهَا بين الولادةِ والنعي!
لو كانت الساعاتُ والأيام تباع وتُشترى فكم تشتري أنتَ منها؟ هل تظن أن البؤساءَ والفقراء يبيعونَ للمترفينَ تلكَ الساعات والأيام؟ وماذا ينتفع من يشتري؟ كلنا يستطيع أن يعودَ في كلِّ محاور الحياة إلا في محور الزمن، فليس له أن يعود. الأمس فاتَ وغداً سوف يأتي وله اللحظة التي هو فيها، أجزم أنكَ لم ولن ترَ ميتاً يعود للحياة. ومع كامل معرفتنا أن الوقتَ كمية متناهية تسير للأمام وتنتهي عند نقطةٍ ما، فإننا نتصرف في تلك الكمية وكأنها غير متناهية، لا نكترث بالوقت وبما نعمل فيه، ونمشي "سبهللة"!
تلك المرأة كانت "فوزية أحمد اوحيد" وزوجها "علي عبد الله اوحيد". مع أنني حزنت لها ولمن بعدها كثيراً، إلا أنني ابتهجت بما عرفته من ذكراها أنها أعطت في حياتها ما لا يعطيه كثيرٌ من الرجال! لو كانت أعمار البشر تُكتب بقيمة ما ينجزونَ في حياتهم من أعمالٍ ذات قيمة لرأيتَ أنَّ أكثر من في المقابر قد ولدوا وماتوا في لحظةٍ واحدة. وقلة، هي منهم، كانت أعمارهم في مئاتِ وآلاف السنين.
تعلمت منها، بعد موتها، أن الحياةَ لا تجب أن تكون طويلةً مملةً ليكون لها معنى. حياةٌ قصيرة وتطول في منجزاتها أكثر نفعاً منها أن تكون طويلةً نأكل فيها القوتَ وننتظر الموت!
مهما كانت مهمتنا في الحياة، طلاباً أو عاملين، فقراءَ أم أغنياء، يلزمنا أن يكون لدينا نوع من الخطِّ الزمني لما نريد أن نحققه من طموحاتٍ في حياتنا. إن لم تكن الخطة مكتوبةً على الورق، فلتكن على أقلِّ تقدير في طاسةِ رأسنا وفكرنا، مع أن التخطيط للحياة لا يقتضي أن تكون جامدةً وجادةً كلها ليس فيها من الرفاهيةِ شيء!
تلك هي حياتنا! في لحظةٍ ما نبدو شجراً صلباً لن تقتلعه العواصف وبعد لحظة تغلبنا العواصف. تبقى متعة الحياة وبهجتها أننا لا نعرف كم هي المسافة والمدة بين هبوب رياحها!



