إن فقر الدم الناجم عن نقص الحديد والعناصر المغذية هي إحدى المشاكل التي يجب حلها بواسطة الأنظمة الغذائية.
أجلت الحديث فيما يختص بمرض فقر الدم المنجلي والوقاية منه؛ لا لأنه يقل أهمية عن النوع الآخر؛ بل على العكس لأنه ربما كانت غالبية السكان في منطقتنا يعانون من ذلك المرض كأشد أمراض الدم الوراثية خطورة، والذي شكل كابوساً مزعجاً لكثير من المصابين به.
وحين نتطرق إن شاء الله لهذا المرض ستكون لنا رؤية وتجربة حياتية خاصة، تشجع المصابين على التغلب أو تخفيف من حدة نوبات الألم التي يتعرضون إليها بإذن الله.
باتت مشكلة سوء التغذية مشكلة عالمية، يعاني منها الكثير من الناس، وبخاصة الأطفال في المراحل الأولى من العمر.
حاول الأطباء وعلماء التغذية كثيراً أن يصلوا إلى حلول لمشاكل سوء التغذية، وما تسببه من أمراض، نتيجة عدم ملاءمة نوعية الغذاء للجسم إما بزيادة أو نقص واحد أو أكثر من العناصر الغذائية.
عندما يشكو شخص من تعب واكتئاب أو صداع دائم، فقد يستدعي ذلك إجراء فحص للدم لتحديد السبب الذي غالباً ما ينتج عن نقص الحديد.
ويعتبر الحديد أحد مكونات الهيموجلوبين المهمة، وبدون توفر كميات كافية من الحديد في الغذاء لا يمكن للجسم أن يولد العدد الكافي من كريات الدم الحمراء.
وقد يقود ذلك في الحالات الخطيرة إلى فقر الدم، إذ يضطر الجسم للتعايش مع النتائج اللاحقة لنقص الأكسجين في الأنسجة، وقد تظهر أعراض فقر الدم على شكل نحول عام، وشعور بالتعب والضعف، وشحوب الوجه، وصعوبة في التنفس، وفقدان الشهية.
الحديد عنصر ضروري للإنسان، لأنه يشكل دوراً مهماً في غذائه، وعنصراً مهماً في التركيبة الغذائية، وبدونه لا يستطيع الاستفادة من عملية التنفس واستخلاص الأكسجين من الهواء، وتضطرب دورة الدم لكونه يدخل في تركيب هيموجلوبين الدم، وتبلغ حاجة الشخص البالغ من الحديد نحو عشرة ملليجرامات في اليوم تقريباً، والمرأة الحامل تحتاج إلى أكثر من خمسة عشر ملليجرام.
يحتوي جسم الإنسان البالغ السليم على حوالي 4 جرامات حديد تقريباً، يوجد معظمه في هيموجلوبين الدم، حيث يتم اتحادهما في نخاع العظام لتكوين كرات الدم الحمراء الجديدة، وعمرها 120 يوماً.
يؤدي الحديد دوراً هاماً في عمليات الأكسدة في الخلية، حيث يحمل الأكسجين إلى الخلايا، كما أن إنزيمات الحديد لها دور هام في عمليات الأكسدة التي تتم في الخلية.
والنصائح القديمة الحديثة لحل هذه المشكلة هي تناول الغذاء المتوازن والغني بالحديد، ولكن مثل هذه النصائح لا يعيها كثير من الناس لجهلهم أو عدم توفر الأغذية الغنية بالحديد، ولكون الأغذية خضعت لمعالجات صناعية أفقدتها القيمة الغذائية.
من هنا بدأت الأبحاث تصب نشاطها في دعم الأغذية بالعناصر المعدنية والفيتامينات لحل مشكلة نقص الحديد والعناصر المغذية الأخرى، ولكن عند التطبيق ثبت عدم جدوى الدعم لكون نتائج هذه الأبحاث لم تكن مقنعة بنجاحها، مما نتج عنه وجود معارضين لهذا التوجه.
والاتجاه الآخر أو البديل هو أخذ العناصر المعدنية والفيتامينات كحبوب مباشرة دون الحاجة إلى وضعها في الغذاء والشراب.
فقد أظهرت الدراسات ارتفاع أو تحسين حديد هيموجلوبين الدم للأشخاص الذين تناولوا الحديد وحامض الفوليك معاً بخلاف من تناول حامض الفوليك بدون حديد.
وبغض النظر عن نتائج تلك الأبحاث ونسبة نجاحها ولو جزئياً فهي لا تخلو من أعراض جانبية.
ويحسن بنا لحل مشكلات الأنيميا بشكل عام، اللجوء إلى الأغذية الصحية، فما هو الغذاء الصحي؟
هناك عدة مفاهيم للغذاء الصحي:
• الغذاء الصحي بكل بساطة يعني أن هذا الغذاء يوفر جميع الاحتياجات الغذائية للفرد، إلى جانب خلّوه من الميكروبات والمواد الكيميائية الضارة، بالإضافة إلى أنه يساعد على الوقاية من الأمراض المرتبطة بالغذاء.
• الغذاء الصحي هو الغذاء المتوازن، وهو ما نحصل عليه نقياً من الطبيعة وليس مصنعاً أو به مواد كيميائية.
• الأكل الصحي هو الذي يتم إعداده جيداً في البيت، لأننا بذلك نضمن سلامته من التلوث وما شابه ذلك.
للغذاء الصحي دوره المهم في صحة الجسم وحيويته وفي التقليل من الأمراض الناجمة عن سوء التغذية.
فالعلاقة وثيقة بين الأكل الصحي وبين تجنب حدوث الأمراض.
نحتاج إلى الغذاء الصحي من حيث التكوين والتوازن والتنوع لمواجهة النشاط البدني والزيادة في العمر وحجم الجسم، وتجنب المشكلات الصحية التي يعانيها الكثير من الناس مثل فقر الدم الناشئ عن نقص الحديد.
الغذاء الصحي مطلب لأي مرحلة من مراحل عمر الإنسان، كما أن لكل مرحلة من مراحل العمر خصوصية تغذوية.
هناك العديد من الدراسات الغذائية التي أجريت على تلاميذ المدارس، توضح أن فقر الدم الناتج عن عوز الحديد من أكثر الأمراض انتشاراً في المملكة، ويتسبب في حدوث تغيرات سلوكية عند الأطفال، وقد يؤثر هذا النقص على وظائف الجهاز العصبي، وأوضحت بعض البحوث أن نقص الحديد يسبب قلقاً وضعفاً وإجهاداً وتدني قدرة الأطفال على التفكير أو في مستوى الذكاء والنشاط الذهني.
ولمنع حدوث هذا النقص، وتجنب ما يسببه من أضرار يجب أن يحصل الطفل على نظام غذائي متوازن، يمتلئ بالعناصر المفيدة، وخصوصاً الأطعمة الغنية بالحديد.
• من الأمور التي أصبحت في حكم المؤكد أن لفيتامين " C " دوراً في المساعدة على امتصاص الحديد من الأغذية.
لكون منطقتنا تعاني من مشاكل فقر الدم المنجلي، وفقر الدم نقص الحديد، فهناك أغذية تقودنا لتفاقم هذه المشكلة الصحية وأخطرها ازدياد الإقبال على مطاعم الوجبات السريعة المنتشرة في كل حي وشارع، هذه الوجبات نراها شراً وخطراً من الناحية الصحية والطبية، كل هذا يحتاج إلى وعي غذائي، وأن هناك من يطالب بتغيير هذه النظرة، فأين الصحيح؟
إن إعداد الطعام داخل البيوت هو أسلم الطرق للحصول على أغذية صحية.
ومن أجل المحافظة على الصحة ومقاومة المرض، ينصح الأطباء واختصاصيو التغذية بتناول عشرة أنواع من الخضار والفاكهة الطازجة يومياً، وكذلك اللحوم والأسماك الطازجة بأنواعها، والبقوليات كالعدس والفاصوليا والحمص والبازلاء الجافة.
• الفواكه الطازجة: المشمش، والموز، والعنب، والخوخ، والكرز، والتين، والكمثرى، والرمان.
• الخضراوات الطازجة: البقدونس، والجرجير، والسبانخ، والخس، والملفوف، والملوخية، والهليون، والقربيط، والسلق، والقرع، والكوسا، والفجل، والبصل، والشمندر.
• الفواكه المجففة، والعسل وغذاء ملكة النحل، والتمور.
ومما يذكر أن تناول تلك الأطعمة الغنية بمادة الحديد؛ للمحافظة على الصحة الجيدة ليس أمراً سهلاً كما يبدو للوهلة الأولى، لأن هناك مواد يمكن أن تتفاعل فيما بينها لخفض أو إفساد العناصر المغذية التي يستطيع الجسم امتصاصها، ويمكن أن نذكر من بين هذه المواد أدوية التتراسيكلين ومشتقاته، وثاني كربونات الصوديوم الذي يستعمل كعلاج لسوء الهضم، كما أنه من الممكن أيضاً أن تتفاعل كيميائياً مع المواد الموجودة في الشاي، وينتج عن كل ذلك تحويل الحديد إلى شكل آخر من المواد لا يستطيع الجسم امتصاصها بسهولة، لكن بإمكان الجسم عادة أن يحصل على ما يكفيه من مادة الحديد عن طريق الغذاء الصحي.
إن غذاءً مختاراً بتعقل وإدراك، ومحتوياً جميع العناصر الطازجة والطبيعية يدفع الجسم إلى أداء وظيفته جيداً، والأشخاص الذين يهملون تنظيم غذائهم يسّرعون إلى إضعاف أو تعطيل وظائف أجسامهم الحيوية، التي تسبب البدانة أو الهزال المفرط، وخلل النشاط الدماغي.
لا صحة جيدة بدون غذاء صالح، وهذا ما يجب أن يكون بغية كل عاقل، فمن الخطر الجسيم، إذن، أن نعرّض أنفسنا للخطر وفي يدنا الوقاية.
إن غذاءً متزناً وكاملاً وغنياً بالفيتامينات والمعادن والمغذيات الضرورية الأخرى، هو أفضل واقٍ من خلل الصحة، ويغني عن كثير من الأدوية، فمن أكل ذلك الغذاء الغني بتلك العناصر الغذائية كان له دواءً نافعاً وصحة دائمة، فهي نعمة من الله عز وجل وسر من أسرار العافية.
اختيارك الأطعمة الصحية الغنية بالمغذيات له واقع إيجابي، ويثبت احترامك لجسدك وإحسانك التعامل معه.
منصور الصلبوخ
اختصاصي تغذية وملوثات.



