يبدو أن "كرز" الشاعر علي مكي الشيخ بعد أن حان موسم قطفه، أصبح فاكهة شعرية تلامس ذائقة حواء المستطعمة لهذا اللون من الشعر، فوقفت عنده بعض بناتها يحاولن تذوق طعمه، ووضع آرائهن في تلك الفاكهة الشعرية.
إضافة قطيفية
أكدت الشاعرة أمل الفرج، المنحدرة من بلدة القديح، أن ديوان "كرز" للشاعر علي الشيخ، جاء مشروعًا من الكرز الناضج، والناضح بالنكهة الشعريّة الفاتنة، متمثلًا في نصوص ومضيّة ذات رشفة تعبيريّة مكثّفة، مكتنزًا بين أحرفه تجربة حيّة، وعذوبة رمزيّة كبيرة من خلال أبياته الشعريّة القصيرة، التي أتت معجونة بلذّة وقلق، معطيًا بذاك كلّه قيمة مضافة للمنجز الشعريّ القطيفيّ.
وقالت "الفرج": "إن مناورات الروح الكرزية المُدهشة، تتتالى جليّـًا في الوقوف على معترك البوح والكلمة القويّة والحس الثريّ، فنعيشها كتجربة، تستنطق الشيء الدافئ من الشعور، تنغمر في صور فارهة اللون، والطعم والرائحة، في جماليات دراميّة، وإيحاءات بصريّة خلابة، ناطقة رغم قصرها".
وأضافت: "إنها حداثيّة الشعر"، مبينة أن تلك النبرة الملحّة، التي انساقت وراء الضوء الحالم هناك، افتعال شهيٌّ، يفوق الجمال، مستهل آخر لمعاني الاتساع في الرؤية، ورقرقة الحسّ، وانثيال اللغة بانزياحات خيالها وإيجازها.
ونوهت إلى أن المغامرات المشغولة بهمّ الشّعر، وهمّ الشّاعر، تختزلها الفلسفة الروحيّة، التي اشتغل عليها الشاعر في "كرزيّاته" بلغة رشيقة ذات تدفّق بيانيّ كسر فيها رتابة قراءة القصيدة الأطول، ليدع المتلقي منصتًا لإضاءاته الأنيقة، التي أطّرها بكينونته الموجزة والدفّاقة وغلّفها بطاقته الإيحائيّة المتوثبة.
واستعرضت قول الشاعر الشيخ:
بعضُ اللحونِ تغني وهي صامتةٌ
فالصمتُ واللحنُ طبعُ اللهِ في البشرِ
وتابعت: "حينما تناولت الديوان لأوّل مرة كان هذا أول بيت من سلّة الكرز تقع عليه عيني، قرأته كأغنية أصيلة اللحون"، موضحة أن هذه اللحون طاغية الموسيقى، التي تأتي لتعتني جيّدًا بالنصّ، وإن كان ومضة، إلا أنه يتدفّق متعة تليق، تتنامى بين جزيئاتها الروح بفاكهة أشهى".
وأكدت: "تظل للكرز نكهتهُ المختلفة، فهو بمثابة جرعة حياة، جرعة شعر، فهي فعلًا تجربة أخلصت للشعر".
نظرة مختلفة
اتجهت الكاتبة والشاعرة آمال الضويمر، من عروس البحر الأحمر جدة ناحية النقد، نقد النص، بأن الشاعر ينظر للأشياء نظرة مختلفة في حس مرهف، له أبعاد جانبية لا يصلها إلا متمكن من جوانب فكرية معينة، ولديه قدرة فائقة على صياغة الجملة الأدبية، وتوظيفها بصورة إبداعية، من خلال قصر النص، تخبر عن شاعر، وأديب متمكن.
وبينت "الضويمر" أن "كرز" يطالب القارئ بأن يفكر بما يقرأه، ليعيد مراجعة الجمل، لأن الصور التي قدمها للقارئ لم تكن ذات صورة نمطية مكررة.
وقالت: "إنه يصنع عالمًا لنصوصه غير مكررة، وقد يلاحظ ذلك في عدم تكرار النص"، لافتة إلى أن للكاتب من بين السطور محتوى يخصه، لذلك نجده متفردًا في طرحه.
وأضافت: "إن الاسم قد ينطبق في تذوق النصوص واحدًا بعد الآخر، وهذا مبهج حقًا في اكتمال النصوص، خاصة أن الديوان في عرضه لا يُمل، بل يعمق التفكير، ليتقارب مع وجهة نظر المتلقي".
فاكهة الظل
مزجت أحلام علي، من مملكة البحرين، فاكهة الكرز، كدلالة الحالة الشعرية، مع جمالية الفاكهة، أحرف اللغة، ولذة طعمها البهي، مشيرة إلى أنه عمل أدبي خفيف الظل.
وقالت "علي": "حين تكون بين يديك فاكهة الكرز الصيفية الخفيفة والشهية، تأكل منها الكثير، الواحدة تلو الأخرى، وفي كل سطر تقرأه، تجد الطعم يزيد حلاوة".
وبينت أن الشاعر يضع القارئ مع أجمل وأقوى الأسس القرائية للمنجزات الشعرية، فإن ديوان "كرز" لقاء بين عاشقين يسوده الصمت تارة، والغزل تارة أخرى، يهيم بمفاتن المرأة التي تثيره، ونظرات العيون التي يحاورها، ويفهم لغة الجسد من خلالها، إنه يبتسم لسحرها ومقلتيها، ونقطة ضعفه دموعها.
وتابعت: "إن سر الجمال في عيونها المكحلة ذات اللون الأسود الخليجي اللامع، كبريق يخطف الألباب، تتكلم، وترقص، تعبر عن كل أنواع الحب ودرجاته".
وأضافت: "إن أحرفه في "كرز"، تمتاز بالحيوية، عنفوانها طري، ورائحتها كرموش أنثى، تتدلى في اشتهاء النظرة العذبة، صورة متكاملة، وليلة شاعرية، شعور خطه بقلبه قبل يده، لتعيش مع الشاعر في حركاته ونظرات تلمسها بين رغوة جسد الكلمات، حقًا، أبرزت جمال الأنثى الكرزية".
ماء الشعر
وقالت الشاعرة ريم آل مال الله، من محافظة القطيف: "عندما نبحث عن الدهشة، عن الضوء المختمر بالظل، عن البياض العابث برغوة الشعر، نجدها عند الشاعر العذب علي مكي الشيخ، الذي يتميز بشعره الحداثي المتجدد والمتناغم، و"كرز" ما هو إلا نموذج من نماذج التجديد والابتكار، حيث بلور شعره في ومضة سحرية خاطفة رغم قلة كلماتها، إلا أنها تجرك نحو التأمل تارة، وأخرى ناحية البسمة والجمال، لخفتها وكثافة مغزاها، بالمعنى الرشيق بالصورة الخيالية المبتكرة بعاطفته المحلقة والقالب الأشهى، الذي يجذب القارئ لالتهام كرزاته بشراهة اللهفة لتناول المزيد".
وأوضحت "آل مال الله" أن "كرز" يحتضن صورًا خيالية في مشاكسة ناطقة، تختصر مشهدًا خلابًا لفتاة تتغزل بنفسها أمام المرآة في قوله:
ولأنها
كالماء فضاحة
أهديتها
خطئي
وتفاحة
وبينت أن الترادف يختصر حديث القلب وغيره من الومضات المثرثرة في غزلها المنهمر، أضيف إلى الشعر ذاكرة الماء.
وقالت موجهة كلامها إلى "الشيخ": "تعريف الشعر، بأنه يمثل انسكاب الماء في إنائك، وقطف الحرف من سلالك الكرزية، أيها الشاعر".
دلالة لا تقال
وعن القراءة النقدية، قالت الشاعر فايزة هويدي، من سوريا: "علينا أن نعترف أن مصطلح القراءة قد تجاوز كثير من الدلالات المتلبسة، وغدا مفهومًا يتضمن المعاناة، معاناة الكتابة والإبداع، التي تحمل في طياتها مزيدًا من التأويل، وكثيرًا من دلالات النص، التي لم تقل".
وأضافت "هويدي": "إن كرز تجربة شعرية مميزة تحسب للشاعر، الذي اعتمد فيه على ما يعرف بالومضات الشعرية، جاعلاً لكل ومضة عنوانها الخاص لاقتناص فكرة سريعة، موظفًا لها عبارات شعرية، مكثفة بالإحساس والشاعرية، فكلما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة، تاركة باب الدهشة مفتوحًا على مصراعيه، يدعونا لتأويل النصوص على أكثر من وجه".
وتابعت: "لقد تجاوز مقامات الإحساس إلى مقام الإبداع، ليوصل هذا الإحساس بصورة شعرية ممتعة"، مؤكدة أن الشاعر أبدع في استخدام اللغة الشعرية، واستطاع توظيفها بطريقة مميزة، حاكت لنا صورًا، ومصادفات رائعة، إننا أمام ديوان شعري يأخذنا إلى طرح تساؤلات جديدة، ورؤى وأفكار متعددة، وفضاء مفتوح على مصراعيه، يمنحنا الغرق في جمال الصورة، اللغة والمعنى، تناسقهما، وتناغمهما في صورة جميلة".
صانع النص
وذكرت الإعلامية حليمة درويش، أن "كرز" يأتي كوجبة شهية، وقالت: "أينما كنت تجد نفسك أمام ما هو أكبر من مجرد ديوان، متجولًا في مساحة من الدهشة، تقلب مشهدًا كاملًا في ومضات، تأخذك ببراعة إلى صور كثيرة، أنت البطل فيها، لعله المعنى الذي ذكره الشاعر ذاته في مقدمته، متحدثًا عن معاني الشعر، بقوله: "وأعتقد أنها تجربة تحول القارئ من متلقٍ بسيط مستهلك إلى قارئ صانع للنص".
وعلقت: "حقًا، إن القارئ يجد في ذاته القدرة على إعادة هذه الصور القليلة المختزلة، لحكايا بعمق البعد الإنساني والوجودي، لأجدني بين فتنة النص الومضة وبين رؤية المشاهد بعدسة سريعة الالتقاط، تمزج الألوان بعناية مترفة، تاركة لخيال المتلقي حقه في التقاطها ببراعة، متنقلًا فيها بين لطف المفردات، وأناقتها، وبين التضاد المدهش بجودة انتقاء ذكية".
وتابعت: "إن كرز يأتي بين العطش والارتواء، بين مسافتين وارتباك، بين طفولة وإغراء، بين وطن ودهشة، بين اعتذار وكبرياء، وغيرها من الومضات، التي تمتد بمساحة، تتوغل في الأعماق، يتولد منها إشعاع قوي، يترك للقارئ انطباعًا في الشعور لا يُنسى".
عيشوا الحب
وتساءل حسين آل ناصر، اختصاصي نفسي أول، ماجستير علم النفس الإكلينيكي: "إن المرأة ذلك المخلوق الجميل، بل والأكثر جمالًا، فكيف لكاتب، أديب، أو شاعر أن يبدع من دون أن تكون الأنثى شمعته وملهمته؟!"، مشيرًا إلى أن العلاقة التي تجمع الرجل والمرأة، لها جاذبية طبيعية، تتسامى في أبهى صورها أدبًا وشعرًا.
وأوضح "آل ناصر" أن الدلالة النفسية لكتابات الغزل، تفوح منها رائحة الارتباط الأزلي بالمرأة والعشق الذي لا ينضب نحوها، يشكل الغزل تنفسًا وولادة وحياة، مشددًا على أن المرأة تحتاج لكلمات الحب والتعبير عنه، وتذبل من دونها.
ونوه إلى أن هناك مشاكل نفسية تنتج عند الحرمان، ورغم أن ذلك ليس بشكل مباشر، ولكن ما لا شك فيه أن حرمان المرأة من الغزل يشعرها بالفتور، وتضعف ثقتها بنفسها، كما أن الدعم بالغزل قد يساعد في تجاوز بعض المشكلات النفسية، ونجاح العلاقة الزوجية.
وقال: "تعددت مرادفات الحب عند اللغويين ومراتبه، إلا أنه لا كلمة تدغدغ المشاعر، وتصف العاطفة مثل كلمة " أحبك"، مضيفًا: "نفسيًا، فإن نظرية الإشراط الكلاسيكي "نظرية سلوكية"، تجيب لنا عن تأثير مثل هذه المفردات، فكما أن هناك كلمات تثير التقزز والاشمئزاز والنفور، وترتبط بروابط سيئة ككلمة "دم، غربة"، في الجانب الآخر كلمات تثير مشاعر جميلة مثل "أحبك"، وبشكل خاص عندما ترتبط بالمحبوب، إذن فالكلمة مشبعة عاطفيًا، وليست مجردة".
وذكر أن الرجل الجذاب للمرأة، هو من يمطرها غزلًا ليل نهار، مؤكدًا أن الحب ليس موسميًا، وليس الغزل موقفيًا، بل نظام حياة، وأن الطلاق العاطفي ليس انعدامًا للشعور بين الزوجين أو الغزل، إنما يتجاوز ذلك إلى انعدام الحوار، واستمرار الصمت، وقلة المشاركة.
وأشار إلى أن المرأة مادة دسمة للكاتب، وللكتابة والأدب بشكل عام، وبقدر ما يعشق الرجل، ويلتهب شوقًا، ويرسم كلمات؛ يتسع صدر المرأة للغزل وأكثر، وتبقى في حاجة للتعبير عن الحب، كحاجتها للماء والأمان، والأنثى في كل مراحلها جميلة وعظيمة.
ودعا: "قل لابنتك الصغيرة أحبك، قلها، ولا تخجل، إن الطفلة تحلق عندما تسمع هذه الكلمة"، مستفهمًا: "عيشوا الحب والغزل لمن؟ للرجل والمرأة".




