12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الموسى ونتاليا سفر للحلم والمعنى (28)

الموسى ونتاليا يزاولان الفن في أجواء رحبة، ويتقاسمان فضاء الأمكنة؛ الزوجة جل وقتها في المنزل بين تربية أولادها الصغار، ورسم قصص الأطفال المصورة، مستمتعة بالشمس وإطلالة البحر، والزوج في رحاب مراسم اتحاد الفنانين، منغمس بأجواء رائعة تشعله اشتغالا وإنتاجًا وحوارًا، نتاليا تأتي لمرسم زوجها بعضا من الوقت لتستكمل ما بدأته في المنزل.
سألت الموسى عن مباني اتحاد الفنانين، هل هي مقتصرة على مدن بعينها أم لها فروع مختلفة؟ أجاب ببعد أشمل:
"اتحاد الفنانين يملك مباني مختلفة موزعة في جميع مناطق جمهوريات الاتحاد السوفيتي، وهناك مبانٍ متطورة كنظام الفنادق الصغيرة، مجهزة بورش خاصة للرسم، والجرافيك، وأعمال الحديد والنحت، وعادة تكون وسط الغابات وفي أماكن الطبيعة الجميلة. وهذه الأجواء عايشتها واقعا ملموسا، فقد حصلت على فرصتين للذهاب إلى هذه المنتجعات التشكيلية الرائعة، بصفتي مشاركا مع ثلة من المبدعين في أجواء ملهمة ننتج أعمالا فنية، ومدة التفرغ شهرين مع الأكل والشرب والسكن مع توفير جميع العدد والخامات لكل فنان مشارك.
هذه المباني الخاصة بالفنانين التشكيليين تجاورها أيضا مبانٍ لاتحاد الكتاب وأخرى للمسرحيين الذين يكتبون النصوص المسرحية، وأيضا مبانٍ للمخرجين السينمائيين. أجواء تفاعلية لمنح المبدعين فرصًا سنوية للخلق والإبداع، ينجزون أعمالًا مختلفة ضمن مجالات الفنون المتعددة. إنتاج متواصل بتلاقح الأفكار واكتساب الخبرات، وفي الأيام الأخيرة للملتقى يقام معرض احتفاء بتجارب التشكيلين، وتدور حورات فنية شتى بين الفنانين المشاركين طوال 60 يومًا. كسب معرفي بأجواء كلها أدب وفن وثقافة، أعتبرها من ضمن أسعد أيام حياتي، وأسميها فردوس الفنون".

هذا التلاقي الفني عبر المحترفات المفتوحة يتشابه إلى حد كبير مع تلك المنح التي كانت تقام في مصر الناصرية فترة الستينات، فقد منح عدد من الموهوبين التشكيليين والنحاتين والكتّاب والأدباء تفرغا كاملا لمدة عام أو عامين ويقدم لهم راتبًا شهريًا بعيدًا عن روتين الوظيفة فقط من أجل التوحد والتفرغ لإبداعهم الفني والأدبي، وحظي التشكيليون بمختلف مجالاتهم من أنحاء جمهورية مصر، بالارتحال ضمن مجاميع لمدينة أسوان والأقصر من أجل التفرغ الفني، وأيضا حرصت وزارة الثقافة المصرية على أن "أقامت مراسم جديدة في بعض البيوت الأثرية مثل المسافر خانة ووكالة الغوري وبيت السيحمي فجعلت من غرف هذه البيوت مراسم وهناك استديوهات للفنانين دون أن يتكبدوا أجرا، لكن بعد اختفاء اشتراكية مصر برحيل جمال عبدالناصر سنة 70 وبعد مجيء أنور السادات الذي سمي عصره بعصر الانفتاح اختفت المنح نهائيا وخصوصا في المنتجعات المفتوحة في الهواء الطلق.
ومصر هي البلد العربي الوحيد السبّاق الذي أقدم على هذه الخطوة الفنية المبكرة.
عاودت بطرح سؤال آخر على الموسى: إذا تحصلت على منحتين للتفرغ في مراسم المنتجعات، وأين الفنانة نتاليا من ذلك؟
أجاب الموسى:
"مع كل أسف زوجتي لم تحصل على هذه المنح لأن المسألة تتم بترشيح الفروع وموافقة من المجلس الأعلى لاتحاد الفنانين لعموم الاتحاد السوفيتي".
صمتنا قليلًا، وبدأت ترتسم على محياه علامات التألم بزفرة نفس طويلة:
"أوه تذكرت، كانت هناك مرة واحدة رشحت فيها زوجتي، ولكن إرادة الله ولطفه جعلها تغير رأيها عن السفر والالتحاق بالمنحة نهائيًا".
يا ترى ماذا جرى؟
أبلغني الموسى بما أخبر به وعايشه، والأسى يرسم الحدث.
بعد طول انتظار للمنحة تم اختيار زوجته مع زميلة لها تدعى الفنانة "سيفتا ميدوفا"، لتمثلان فناني وفنانات مدينة جودانوف. نتاليا تبدو فرحة ومندفعة للمشاركة قائلة: بأن الفرصة لا تعوض ويجب استغلالها والاستفادة منها، وفي نفس الوقت مترددة، أصبحت في حيرة بين الذهاب أو البقاء، والسبب طول الغياب عن المنزل، متسائلة: لو ذهبت من يعتني بصغاري لمدة شهرين كاملين؟
وفي اللحظات الأخيرة حسمت أمرها وصرفت النظر نهائيًا بعدم السفر معتذرة لإدارة الملتقى، أما زميلتها الفنانة فقد ذهبت للمشاركة والآمال ترقبها بإنجاز فني وتمنت لو كانت نتاليا بصحبتها.
تواجد الجميع في منتجع مراسم اتحاد الفنانين الواقع وسط الطبيعة الغناء وهم في فرح وغبطة وسرور، يستفتحون أيامهم الأولى
بهمة ونشاط، تحفهم أصوات التغريدات وتسرهم الوان الزهور والفراشات، ضحك وبهجة على أنغام خرير المياه وهبوب النسيم.
وبينما هم في كنف الطبيعة البكر يحيون بأمان وراحة بال، فجأة بدأت الطيور تتساقط عليهم من السماء، والهواء بدا كريها، ملوثا، خانقا برائحة غاز، الفنانون لا يستطيعون التنفس، الكل هجر عمله، وكل نفس تقول أين المفر، كارثة حلت، لقد اختلط الهواء مع الإشعاع القادم من الانفجار النووي الرهيب في محطة تشيرنوبل، ياللهول العظيم. كثير منهم دخل غرف المنتجع، أما الفنانة "سيفتا ميدوفا" فتركت المكان سريعا عائدة للجنوب إلى مديتنها جودانوف. يقول الموسى عنها: "بعد مرور شهر على هذه الفنانة الجميلة سقط كل شعرها، وذبل عودها وتغير لونها وأصبحت لا تقوى على الحركة، وبعد أيام توفيت، وشيعناها بحزن شديد، كانت دموع زوجتي أبلغ من أي كلام".
قاطعته سريعا هذه المأساة حدثت عام 1986، وهل الحدث كان في أطراف المدينة أم خارجها؟ قال: "المفاعل يبعد عن مدينة تشرنوبل مسافة 122 كيلومترًا لكنه ضمن جغرافيتها وسميت المحطة النووية باسمها، وتقع في أقصى شمال جمهورية أوكرانيا السوفيتية بالقرب من جمهورية بيلاروسيا السوفيتية، التي تعرف بروسيا البيضاء، الٱثار المدمرة طالت كل القرى والمزارع والنبات والحجر والبشر، وخصوصا المنطقة المحيطة بالحدث والضحايا بالٱلاف، والمصابين قضوا نحبهم بين فترة وأخرى"، توقف الموسى عن الكلام برهة من الزمن ثم استدرك بقية الحدث المؤلم وقد التمعت عيناه بالدمع:
"مراسم المنتجع، لم تكن قريبة من محيط المفاعل النووي، بل بعيدة عنه كثيرا، ولكن مرت من فوقه سحابة الانفجار والتي نقلتها الرياح، وتوفي من جرائها عدد كبير من الفنانين التشكيليين زملاء وأصدقاء، وعددهم 40 رساما من مختلف مناطق الاتحاد السوفيتي، وغيرهم من الكتاب والمسرحيين والسينمائيين، لقد خيّم علينا الحزن والٱلام نحن وبقية الفنانين وكل أفراد المجتمع.. عشنا أيامًا مأساوية.. كم كانت عناية الله كبيرة ورحيمة بأن حفظ لي زوجتي، فلو قدر لها الذهاب لكانت في عداد الموتى!".
كارثة هزت العالم هزا وأرعبت أوروبا والدول المجاورة، ارتدادتها ضخمة ومهلكة على جميع المستويات، لقد قضت مضاجع الكرملن.. إنها مأساة إنسانية مروّعة بجميع المقاييس، واعتبرت الكارثة نذير شؤم على تفكك الاتحاد السوفيتي؟!


error: المحتوي محمي